محمد بن حمد البادي **
لم يعد العمل الزكوي في سلطنة عُمان محصورًا في تحصيل الأموال وتوزيعها على مستحقيها، بل أصبح أمام مسؤولية أوسع تتمثل في بناء منظومة مؤسسية حديثة تواكب التحولات الإدارية والرقمية، وتعزز ثقة المجتمع، وترفع كفاءة الأداء، وتضمن وصول الزكاة إلى مستحقيها بدقة وفاعلية، ومن هنا، في السلطنة؛ يبرز التحول الإداري المؤسسي بوصفه مدخلًا أساسيًا لتطوير أداء لجان الزكاة وتعظيم أثرها الاجتماعي والتنموي.
وفي هذا المسار، يبرز دور وزارة الأوقاف والشؤون الدينية في قيادة تطوير منظومة العمل الزكوي، وتعزيز انتقالها من الممارسات التقليدية إلى نموذج أكثر تنظيمًا وتخصصًا وحوكمة، بما ينسجم مع توجهات السلطنة نحو رفع كفاءة الأداء المؤسسي والاستفادة من التحول الرقمي، التي لا تنفصل عن مستهدفات رؤية عُمان 2040، والتي تؤكد بدورها أهمية بناء مؤسسات ذات كفاءة عالية، تتسم بالمرونة والشفافية، وتعزز الحوكمة وجودة الخدمات والاستثمار الأمثل للموارد.
ويقوم التحول المؤسسي في العمل الزكوي على 3 مرتكزات مترابطة: الحوكمة والشفافية، وبناء الكفاءات وتمكين العاملين، وجودة الإجراءات وإدارة العمليات.
تأتي الحوكمة والشفافية على رأس هذه المرتكزات؛ لأنها تمثل القاعدة الأساسية للثقة والمصداقية، من خلال وضوح المسؤوليات والصلاحيات، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وتنظيم مسارات التحصيل والصرف، فالشفافية لا تعني نشر الأرقام والتقارير الدورية فحسب، وإنما توضيح آليات العمل ومعايير الاستحقاق وأوجه توظيف الموارد وقياس النتائج، بما يعزز ثقة المُزكِّين والمستحقين ويحفظ الأموال الزكوية ويضمن إدارتها بمسؤولية.
أما بناء الكفاءات وتمكين العاملين، فيمثل شرطًا أساسيًا لنجاح هذا التحول؛ فالأنظمة والتقنيات لا تصنع مؤسسة ناجحة من دون الإنسان القادر على توظيفها بكفاءة، ولذلك تبرز أهمية التدريب والتأهيل المستمر في الجوانب الشرعية والإدارية والمالية والتقنية، إلى جانب تعزيز العمل الجماعي وتبادل الخبرات وتطوير مهارات التواصل وخدمة المستفيدين، بما يحول العمل الزكوي من جهد تطوعي متفرق إلى ممارسة مؤسسية أكثر احترافية؛ قادرة على صناعة أثر مستدام.
ويأتي تطوير الإجراءات وإدارة العمليات ليكمل هذه المنظومة؛ فالتحول المؤسسي لا يعني زيادة الإجراءات وتعقيدها، بل إعادة هندستها وتبسيطها، وتقليل الازدواجية، وتسريع إنجاز المعاملات، والاستفادة من البيانات والحلول الرقمية في إدارة الطلبات والخدمات، كما أن اعتماد مؤشرات واضحة للأداء ومراجعة الإجراءات بصورة دورية يتيح اكتشاف جوانب القصور ومعالجتها، ويجعل القرارات أكثر دقة وواقعية.
وهنا تتضح أهمية الدور المؤسسي للوزارة في الانتقال بالعمل الزكوي من مجرد إدارة الموارد إلى إدارة الأثر؛ فالقيمة الحقيقية للزكاة لا تتوقف عند إيصال المال إلى المستحق، وإنما تمتد إلى معرفة احتياجاته، وتحسين آليات الوصول إليه، وتوجيه الموارد بكفاءة، والإسهام في تمكين الأسر ومساعدتها على الانتقال من دائرة الاستحقاق إلى دائرة الاستغناء، وهذا هو الجوهر الحقيقي للعمل الزكوي عندما يحقق التكافل الاجتماعي الذي يساهم بشكل فعّال في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع.
إن التحول الإداري المؤسسي ليس تحديثًا للأدوات فحسب، بل هو تحول في الثقافة وطريقة التفكير؛ من الاجتهاد الفردي إلى العمل المنظم، ومن الإجراءات التقليدية إلى الحلول الذكية، ومن التركيز على حجم التحصيل إلى قياس الأثر، ومن الاستجابة للحاجة الآنية إلى بناء قدرة أكثر استدامة على مواجهة التحديات.
ومن هنا، فإن تطوير العمل الزَكَوِيّ يمثل أحد النماذج التي يمكن من خلالها ترجمة مستهدفات رؤية عُمان 2040 إلى ممارسة ملموسة، فعندما يتحول العمل الزَكَوِيّ إلى منظومة مؤسسية متكاملة تتكامل من خلالها الحوكمة مع الكفاءة البشرية، وتتقاطع الرقمنة مع جودة الخدمة، وتتجه الموارد نحو تحقيق أثر اجتماعي قابل للقياس، تصبح الزكاة أكثر من مورد مالي؛ تصبح أداة للتكافل الاجتماعي، ورافدًا للتنمية، ومسارًا عمليًا لبناء مجتمع أكثر استقرارًا ومؤسسات أكثر كفاءة واستدامة.
** عضو لجنة الزكاة بولاية صحم
