استنزاف الوعي.. بداية السقوط

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

تنهار المجتمعات وتفقد قدرتها على اتخاذ القرار حين يختلّ ميزان الجدية، وحين تُهدر الطاقة العقلية والعاطفية للأمة في غير موضعها. وقبل أن تفشل الدول سياسيًا أو اقتصاديًا، تكون قد بدأت تفشل معرفيًا من خلال التعوّد على السطحية، وتفقد تدريجيًا قدرتها على التمييز بين ما يستحق النقاش وما يستوجب القرار.

وعندها يكون الخلل في الوعي سابقًا للخلل في المؤسسات، ويصبح المجتمع أكثر قابلية للتوجيه والتضليل والاستنزاف؛ فالأمة التي لا تعرف ما الذي يستحق غضبها، ولا متى ينبغي أن تتوقف لتفكر، يسهل انقيادها ودفعها إلى معارك بعيدة وجانبية تستهلك طاقتها، بينما تمر أمامها قضايا أكثر خطورة تمس حاضرها ومستقبلها.

عملية تزييف الوعي تحدث غالبًا بالتراكم البطيء. تبدأ بتطبيع السطحية ومنحها مساحة أكبر مما تستحق، ثم بتسفيه الجدية والاستهزاء بكل خطاب يدعو إلى التريث والتفكير. ومع الوقت يُعاد تعريف الواقعية باعتبارها قدرة على المناورة بدلًا من كونها قدرة على الفهم، والذكاء مهارة في كسب الجولة، عوضًا عن إدراك طبيعة اللعبة ومآلاتها.

في مثل هذا المناخ، تُستبدل المسؤولية بالاستعراض، والحجة بالصوت المرتفع، والمعرفة بسرعة إطلاق الأحكام. وتتحول القضايا الكبرى إلى مباريات كلامية، ولا يعود السؤال ماذا حدث ولماذا؟ وما الذي سيترتب عليه؟ وإنما من انتصر في السجال ومن حصد أكبر عدد من المؤيدين؟ ومن نجح في إحراج خصمه؟

وهنا تكمن إحدى مفارقات عصرنا؛ فلم يكن الإنسان في أي وقت مضى محاطًا بهذا القدر من المعلومات وسهولة الوصول اليها، ومع ذلك لم يكن امتلاك هذه المعلومات ضمانة لامتلاك الوعي. فالمعلومة شيء، والقدرة على وضعها في سياقها شيء آخر. وأصبحنا نعرف آلاف التفاصيل، ونلاحق الأحداث لحظة بلحظة، ونشارك في عشرات النقاشات يوميًا، لكننا نخرج من كل ذلك أكثر تشتتًا وتمزقًا، وبأقل قدرة على فهم الصورة الكبرى.

لقد منح عالم التواصل الاجتماعي هذه الظاهرة قوة ما كانت تمتلكها من قبل. فالسطحية أصبحت قابلة للإنتاج والتسويق والتضخيم. والخوارزميات، بطبيعتها، تميل إلى مكافأة ما يثير الانفعال ويستدرّ التفاعل ويختصر المعقّد في عبارة أو صورة أو مقطع قصير. وهكذا يصبح الغضب أسرع على الانتشار من الفكرة، والسخرية أكثر جذبًا من التحليل، والفضيحة أقدر على اجتذاب الانتباه من القضية التي قد يتوقف عليها مستقبل مجتمع بأكمله.

ومن البداية، لا بُد من التوضيح في أن المشكلة ليست في وسائل التواصل الاجتماعي بذاتها، فهي أدوات يمكن أن تُستخدم لنشر المعرفة كما يمكن أن تُستخدم لنشر التفاهة. المشكلة في نمط الوعي الذي تصنعه كثافة استخدامها عندما يصبح الإيقاع السريع هو المعيار. يتعوّد الفرد على الخصومة الفورية، والانتصار الرمزي القصير، والحكم قبل المعرفة، ثم ينقل هذه الذهنية، من حيث يدري أو لا يدري، إلى المجال العام. وهكذا يمكن أن تُدار السياسة بمنطق "الترند"، ويُقاس الرأي العام بعدد التفاعلات، وتُختزل الخيارات المصيرية في عبارات قابلة للمشاركة أكثر مما هي قابلة للفهم.

حينها تتحول التفاهة إلى قضية سياسية وثقافية بالمعنى العميق للكلمة؛ لأن التفاهة، أعزكم الله، حين تُمنح وقتًا وانتباهًا ومشاعر تفوق حجمها، تنتفي عنها صفة الهامشية البريئة، وتتحول شيئًا فشيئًا إلى نمط تفكير، ثم إلى معيار ضمني يُقاس به كل شيء. ومع الزمن، يعاد تشكيل الحس العام نفسه، فتصبح القضايا المعقدة ثقيلة على الفهم، مملة على المتابعة، ولا تجد طريقها إلى الناس إلا بعد تفريغها من عمقها وتحويلها إلى شعارات سهلة وسريعة الاستهلاك.

والمصيبة الأكبر هي في كون أن الخطر لم يعد يكمن في اللهو ذاته، ولا في أن ينشغل الناس أحيانًا بما هو خفيف وعابر. الخطر يبدأ عندما تختل النسب. حين نمنح الصغير طاقة الكبير، والهامشي اهتمام المصيري، والعابر انفعال الدائم. عندها لا تعود المشكلة فيما ننشغل به فحسب، وإنما فيما لم يعد لدينا وقت أو طاقة أو استعداد ذهني للانشغال به.

وحين تُستنزف العاطفة الجمعية في معارك هامشية متلاحقة، فإنها تصاب بإنهاك يجعل استجابتها أضعف عندما تحين لحظة القرار الحقيقي. وحين يُدرَّب العقل العام طويلًا على التفكير الثنائي الحاد- معنا أو ضدنا، خائن أو وطني، منتصر أو مهزوم- فإنه يفقد قدرته على الموازنة، وعلى تحمّل الأسئلة المعقدة التي لا تقدم إجابات جاهزة. ويتراجع التفكير طويل النفس، وتضمحل القدرة على قراءة التاريخ والسياق والمآلات، لمصلحة ردود فعل آنية تُشبع حاجة الانتماء والانتصار السريع.

ولعل هذا هو المعنى الذي تكثفه عبارة أستوقفتني طويلًا، وكانت سببًا لهذا المقال، وهي منسوبة إلى «كاتو الأكبر»، رجل الدولة الروماني الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد: «من كان جادًا في الأمور السخيفة، سيكون سخيفًا في الأمور الجادة».

أهمية العبارة في المفارقة التي تكشفها؛ فالجدية هنا ليست قيمة مطلقة في ذاتها؛ قيمتها فيما تُصرف فيه. قد يكون الإنسان شديد الجدية، كثير الانفعال، حاضرًا في كل نقاش، ومع ذلك يهدر وعيه إذا كان يضع كل تلك الجدية في المكان الخطأ. والأمر نفسه ينطبق على المجتمعات. فيمكن لمجتمع أن يكون صاخبًا، محتشدًا، متفاعلًا، ممتلئًا بالجدل، لكنه عاجز عن إنتاج موقف متماسك حين تواجهه قضية حقيقية.

وإذا كان كاتو قد عاش في زمن مختلف تمامًا، فإن ما تمنحه مقولته من معنى يبدو شديد الصلة بعصرنا؛ عصر لم تعد فيه المعركة فقط على الأرض والثروة والنفوذ، بل على الانتباه أيضًا. فمن ينجح في تحديد ما تنشغل به الشعوب، وما تخاف منه، وما تغضب لأجله، وما تنساه سريعًا، يمتلك قدرًا هائلًا من التأثير في وعيها، حتى من دون أن يملي عليها بصورة مباشرة ما ينبغي أن تفكر فيه.

وهنا يلتقي الضعف الداخلي بالمصلحة الخارجية. فالقوى الكبرى، وأجهزة الدعاية، ومؤسسات صناعة الرأي، لا تخلق دائمًا نقاط الضعف في المجتمعات، لكنها تستطيع استثمارها وتضخيمها وتوجيهها. وكلما كان الوعي الجمعي أكثر انقسامًا واستنزافًا وأسرع انفعالًا، أصبح أكثر قابلية للتلاعب به، وأكثر عجزًا عن بناء موقف طويل النفس في مواجهة سياسات الهيمنة أو الحروب أو انتهاك القوانين والمواثيق الدولية.

لكن تحميل الخارج المسؤولية كاملة لا يقل خطورة عن تجاهل دوره. فالخارج يستثمر ما يجده، أما قابلية المجتمع للاستثمار فيه فمسألة داخلية أيضًا. وحين تكافأ الانفعالات بدل الحجج، وترتفع الأصوات بدل الأفكار، لا تتكوّن إرادة جمعية قادرة على البناء، وإنما كتل انفعالية سريعة الاشتعال وسريعة الخمود، بارعة في الخصومة وأقل قدرة على الفعل المنظم.

لهذا لا تبدأ هزيمة الأمم يوم تسقط مدينة، أو تخسر حربًا، أو تنهار عملتها. قد تبدأ قبل ذلك بزمن طويل، يوم تفقد قدرتها على ترتيب أولوياتها، ويصبح الهامشي في مركز اهتمامها والمصيري على أطرافه؛ يوم تستهلك غضبها في الصغائر، حتى إذا جاءت الكبائر لم يبق من الغضب ما يكفي، ولا من الوعي ما يهدي، ولا من الإرادة ما يحوّل المعرفة إلى فعل.

الأمم لا تُهزم فقط حين تُقهر عسكريًا أو تُنهك اقتصاديًا، فقد تبدأ هزيمتها حين تفقد حسّ الجدية تجاه نفسها. وحين يصبح الضجيج بديلًا عن المعنى، والانفعال بديلًا عن الفهم، والاستعراض بديلًا عن الفعل، فإن لحظة التاريخ، حين تستدعي القرار، قد لا تجد وعيًا متماسكًا قادرًا على مواجهتها.

ولعل حاجتنا اليوم ليست إلى «كاتو جديد» بقدر حاجتنا إلى استعادة المعنى الذي تختزنه تلك المقولة القديمة، وهو أن نحسن اختيار ما نستحق أن نكون جادين فيه. فالمشكلة ليست أن نضحك، أو نلهو، أو ننشغل أحيانًا بصغائر الحياة؛ المشكلة أن نفقد القدرة على معرفة متى ينتهي اللهو وتبدأ المسؤولية؛ فأولى خطوات السقوط ليست دائمًا الهزيمة أمام عدو، وإنما أن نهدر وعينا قبل أن تبدأ المعركة.

الأكثر قراءة

z