د. محمد بن خلفان العاصمي
تأتي الزيارات التي يقوم بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم-حفظه الله ورعاه- إلى مختلف البلدان لتكون بمثابة جسور تمتد لبناء مستقبل سلطنة عُمان، وهي امتداد لنهج الصداقة والتعاون مع مختلف أقطار العالم تحقيقًا لرؤية النهضة العُمانية الحديثة والتي كانت تؤسّس لدولة تمتد صداقاتها وعلاقاتها لتصل إلى جميع أقطار العالم، هذه الرؤية التي جعلت من دولتنا واجهة قوية للدبلوماسية القائمة على مبادئ ثابتة لا تتغير، ونهج مبني على أساس احترام الآخر واحترام سيادة الدول واستقلال قرارها السياسي.
لقد أخذت الدبلوماسية العُمانية في النهضة المتجددة مسارًا جديدًا يُضاف إلى مسارها السياسي السابق وهو المسار الاقتصادي، حيث باتت الشراكات الاقتصادية الاستراتيجية أحد أهم أهداف هذه الزيارات السامية، وتأتي هذه الزيارات لتعزز من مكانة سلطنة عُمان الدولية وتوسع شبكة علاقاتها الدولية خاصة في هذا الوقت المُهم الذي يشهد إعادة تشكيل التحالفات وبناءها على عنصر المصالح المشتركة وخاصة العنصر الاقتصادية. ومن المهم جدًا أن يكون التفكير الاستراتيجي لبناء مستقبل أفضل للأجيال مبني على أساس المصالح والفرص التي من شأنها تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة وأن سلطنة عُمان تملك مقومات جيوسياسية مهمة تستطيع البناء عليها لإقامة هذه الشراكات وفتح آفاق جديدة من العلاقات الثنائية القائمة على أساس تبادل المصالح.
إن السياسة الحكيمة التي ينتهجها جلالة السلطان المعظم- أعزه الله- من خلال الزيارات السامية تسعى إلى الاستفادة من العلاقات الدولية وتحويلها إلى فرص اقتصادية تساهم في تحقيق مستهدفات التنمية الشاملة، وقد شاهدنا خلال متابعتنا لهذه الزيارات الكريمة كيف أنها تمكنت من استقطاب استثمارات نوعية وفتح أسواق جديدة للاقتصاد العُماني الذي يسير في طريق النمو والتطور، كما أن هذه الزيارات السامية فتحت المجال لاستكشاف فرص التعاون في القطاعات الواعدة مثل الطاقة المتجددة والصناعات التحويلية والكيميائية، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا، علاوة على أنها ساهمت في فتح آفاق التعاون للقطاع الخاص العُماني وتعزيز دوره في بناء الشراكات التجارية والاستثماريّة مع نظرائه في الدول الصديقة.
ومما لا شك فيه إنّ المسؤولية تقع على عاتق جميع الأطراف التي لها علاقة بتحويل مكاسب هذه الزيارات إلى واقع يستفاد منه كما أرادت لها القيادة الحكيمة، وعليهم أن يحرصوا على توظيف مخرجات الزيارات في دعم التنويع الاقتصادي وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، وتحويل هذه المكاسب إلى المنظومة الاقتصادية خاصة في مجال التكنولوجيا وتطوير الكفاءات الوطنية، كما يجب الحرص على تحويل الفرص الاستثمارية إلى مشروعات تساهم في توفير فرص عمل مباشرة وغير مباشرة وتمكين الشباب العُماني من الانخراط في هذه المشاريع، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لتستفيد هي الأخرى من الفرص المتاحة.
والى جانب ذلك لا بُد من الاستفادة من هذه الشراكات بشكل مباشر في تحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040"، هذه الرؤية التي جاءت لتكون النقلة النوعية لمسيرة التنمية في سلطنة عُمان، والتي تعتمد أهدفها الاستراتيجية على النمو الاقتصادي المستدام، ولذلك وحتى تتحقق هذه الأهداف لابد من العمل على تعزيز التعاون مع مختلف دول العالم التي يمكن أن تساهم في فتح فرص واعدة للاستثمار والتبادل التجاري.
مرة أخرى، أشدِّدُ على أهمية وضع هذه الاتفاقيات ومذكرات التفاهم والشراكات موضع التنفيذ حتى تتحول رؤى القائد المفدى إلى واقع ملموس، ولا شك أنَّ هذا الأمر هو موضع الاهتمام من القيادة الرشيدة، وما تعيين نائب رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاقتصادية إلّا دلالة واضحة على النهج الرشيد لتعزيز قيمة الاقتصاد العُماني تحت رعاية كريمة وقيادة طموحة ترقى بسلطنة عُمان إلى مصاف الدول المتقدمة.
إن القفزات التي حققها الاقتصاد العُماني خلال سنوات بسيطة والخروج من الأزمات الاقتصادية التي واجهته كل ذلك جاء نتيجة رؤية ثاقبة وقراءة عميقة للواقع والمستقبل، واستشراف منهجي للفرص المتاحة؛ فكانت النتيجة تجاوز الأزمة المالية والاقتصادية وتحقيق النمو الاقتصادي المستهدف في زمن قياسي.
إن العلاقات الدولية ليست غاية بحد ذاتها؛ بل هي رصيد استراتيجي يمكن تحويله إلى فرص استثمارية ومكاسب تنموية مستدامة، وفي هذا الوقت الذي يشهد فيه العالم استقطابات وتحالفات جديدة نتيجة الأوضاع السياسية لا بُد لنا كدولة ذات ممكنات سياسية واقتصادية ان نبحث عن فرصنا كذلك، ولا بُد من أن تتساير دبلوماسيتنا السياسية مع دبلوماسيتنا الاقتصادية لصناعة قوة ناعمة تمكننا من تحقيق أهدافنا، وأن نضع بلادنا في المكانة التي تليق بها بين دول العالم.
إنَّ النهج الحكيم للقائد والذي يهدف إلى تحويل سلطنة عُمان إلى وجهة اقتصادية عالمية يجب أن يقابله عملًا وطنيًا كبيرًا من أبناء الوطن، ولا بُد للكفاءات الوطنية أن تأخذ دورها في هذا المشروع الوطني الكبير؛ فالأُمم تُبنى بسواعد أبنائها، وتنمو وتتطور بالأفكار والخبرات العالمية.
