"أَتَاهَا أَمْرُنَا".. نواميس التاريخ ووهم الخلود

 

 

 

محمد عمار عيسى

إذا غصنا في مسارات التاريخ الإنساني والقصص القرآني، نجد قانونًا ثابتًا: كل حضارة اعتراها الغرور بمبتكراتها وأصابتها النرجسية، يكون السقوط المدوي مصيرها الحتمي. ولنا في نماذج "عاد" و"ثمود" و"النمرود" و"فرعون" عبرة؛ حين وصل بهم الأمر إلى تحدي الخالق، واليوم تتكرر هذه النماذج بشكل أكبر في وادي السيلكون؛ حيث يتبنى قادة التكنولوجيا فلسفة "ما بعد الإنسانية" (Transhumanism) الساعية لـ"إلغاء الموت"، متسائلين: "لماذا لا نغرس نبتة جلجامش الرقمية بأيدينا؟" متناسين أن جلجامش نفسه ندم حينما ابتلعت الأفعى النبتة على حساب صديقه أنكيدو. ووصل بهم الغلو إلى القول: "إن الإنسان هو الإله الجديد!"، تعالى الله عمَّا يصفون.

هذا ليس هذيانًا؛ بل حقيقة لترويج "تأليه الإنسان الحداثي"، والتعامل مع البشر كأشياء مصمتة، متناسين أن الإنسان عبدٌ ضعيفٌ تقتله خثرة دم صغيرة في دماغه، فلا يساوي سوى علقة أمام ملك الملوك، وفي عمق فلسفتهم المادية، ليست "الحية التوراتية" سوى أول خوارزمية مُشفَّرة استخدمت لغواية الإنسان، ليغدو قضم الثمرة أول "اختراق رقمي" لمنظومة الوجود. واليوم يُعيد وادي السيلكون تشغيل ذات الكود الخبيث تحت وهم "الألوهية الرقمية"، متناسيًا أنَّ المعرفة الإنسانية ليست سرًا مسروقًا، بل فيض وتكريم إلهي: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾.

لقد وُظِّفَت المرويات المحرفة لشرعنة أفظع الجرائم؛ فبتأويلات "أرض الميعاد" أُبيد ملايين الهنود الحمر وسُحقت حضارات الأزتيك والمايا، وبأساطير "لعنة كنعان" برر الأوروبيون تجارة الرق في شرق إفريقيا بربط لون البشرة بالخطيئة، في تجسيد لخدمة الهيمنة المادية بالأيديولوجيا. ولم تكن المرأة بمعزل عن هذا؛ فبذات السردية التي حمّلت الأنثى وزر الخطيئة الأولى، تأسست فلسفة قهرها في وادي السيلكون، لنزع قداستها الإنسانية وإعادة هندستها خوارزميًا كسلعة للاستهلاك الرقمي. وامتد هذا الناموس المشوه إلى العالم العربي؛ حيث اختُزلت كينونتها في خوارزميات "التريند" ومنصات الكسب السريع، مفرغة إياها من عمقها الأخلاقي، في ظل فضاء رقمي غربي يرهن مشاعرنا بمقاييسه المادية

ويُقدِّم القصص القرآني صفعة مدوية لأوهام السيطرة الزائفة؛ ففي سورة الإسراء توجيه للتواضع لأن العقل البشري محدود. ويتجلى ذلك في عاد وثمود اللتين اندثرتا مع الرياح حين قالتا بنرجسية: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. وفي قصة النمرود الذي بُهت صاغرًا وانتهى به المطاف مقهورًا بسبب بعوضة، وفرعون الذي بنى صروح الطين وقال "أنا ربكم الأعلى" فهلك بأهون الأشياء؛ الماء الذي جعل الله منه كل شيء حي.

إن كل القوى التي اعتلت عرش التكنولوجيا سقطت بمحض تحللها الداخلي وغطرسة القوة. والاتحاد السوفيتي السابق أسطع دليل تاريخي؛ إذ أخذه الكِبر والزهو بترسانته النووية وصعوده للفضاء حتى اعتبر "المادة هي القدرة العليا"، ولم يسقط بحرب خارجية بل بنخر داخلي ونرجسية سلبت مقومات بقائه. وهو الناموس عينه الذي يستدرج اليوم القطب الأوحد وعولمته المادية. إن النرجسية خطر يفوق القنبلة النووية؛ فإذا كانت الأخيرة تبيد خارجيًا، فإن النرجسية تقود الحضارات إلى انتحار جماعي وأفول نهائي بمحض الإرادة

ومن هنا تبرز ممارسات الكيان الصهيوني في فلسطين؛ حيث يرى الصهاينة أنفسهم فوق الجميع في مفارقة تطابق عقيدة أدولف هتلر؛ إذ لا يجمع بين اللدودين سوى النرجسية والنزعة التدميرية القومية، وهنا تستوقفنا آيتان تتحدثان بدقة عن حتمية السقوط للبغاة على مرحلتين:

الأولى: وهم الهيمنة المطلقة: ﴿حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾.

الثانية: الوهن الداخلي: ﴿بَأْسُهُم بَيْنَهُم شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾.

وفي هذا السياق تغدو "إسرائيل" هي "الداء والدواء" لمنظومة الاستكبار؛ فوجوده هو الداء المادي الممتد من عقلية التفوق التي تكرست بنشوة عسكرية إبان نكسة 1967، حين ظن بجدرانه المحصنة أنه القوة المطلقة، فجاءه تدمير خط بارليف في أكتوبر 1973 كصفعة أولى تكسر صلف التحصين الهندسي وأعاد ذات الكرّة بعد 50 عامًا بالتحصن خلف جدار تكنولوجي رقمي، فجاءته صفعة أشد اختراقًا في 7 أكتوبر 2023 في معادلة أسميها "ثنائية أكتوبر" كناموس ثابت لا يتبدل

إن حتمية انهيار الكيان ليست عاطفة ولا أمنية؛ بل واقع ينتظر أمر الله، وتؤكده الشواهد اليوم عبر الهجرة العكسية الشديدة للعقول العلمية والتقنية نحو الغرب، وسقوط الشرعية الزائفة؛ فآباؤه المؤسسون علمانيون ملحدون وليسوا يهودًا عقائديين، وصولًا إلى نتنياهو العلماني البراغماتي الذي يستدعي أسفار "إشعياء" و"العماليق" نفاقًا، موظفًا النصوص كخوارزمية سياسية لتبرير الجريمة وحشد اليمين المتطرف، بينما سلوكه غارق في نفعية مادية بحتة.

والمفارقة الصادمة أن عباقرة وادي السيلكون وصُنّاع الذكاء الاصطناعي الذين يظنون أنهم يثورون على الغيب، ليسوا سوى عُمال سُخرة يُهيئون المسرح للقطة الختامية من عمر البشرية. فالقرآن لم يتوعد الإنسان بالفناء وهو جاهل، بل اختار له اللحظة التي يبلغ فيها ذروة "الألوهية الرقمية" ويظن أنه ملك زمام الطبيعة، ليكون السقوط مدويًا بلمحة بصر، وحين تصرخ الخوارزميات: "أنا قادرة" يُسدل الستار.

إن العلم والتكنولوجيا من أسمى الضرورات، لكن حين تُنزع منها كوابح الإيمان، تنقلب وتودي بنا إلى وادٍ سحيق؛ فحين تصبح الأنا مُقدسة يقترب الفناء الجمعي.

وفي لفتة بيانية، تلتحم هندسة الكتاب الكريم مع النواميس الكونية؛ فالفارق الحسابي بين آية الغرور في سورة يونس (24) وآية الوهن في سورة الحشر (14) هو (24 - 14 = 10)، وهو ما يطابق تمامًا الترتيب المحكم لسورة يونس في المصحف (رقم 10)؛ هي إشارة لطيفة إلى أن السنن التاريخية تجري وفق مقادير ثابتة لا تحابي أحدًا، وأن ربَّ العزة محيط بالظالمين في أوج قوتهم، فسبحان الخالق العظيم الذي يرينا آياته في الآفاق وفي أنفسنا حتى يتبين لنا أنه الحق.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z