علي بن عبدالله اللواتي
عندما يُذكر اسم إيران أمام كثير من الناس، تتبادر إلى الذهن صورٌ سياسية متراكمة، مرتبطة بالعقوبات والحصار والصراعات الإقليمية والملف النووي، حتى تكاد هذه الصورة السياسية تطغى على صورة البلد والمجتمع والإنسان.
لكنني أكتب هنا عن إيران أخرى رأيتها بعيني، بعيدًا عن العناوين السياسية، وعن الصورة التي تصنعها نشرات الأخبار.
أنا في إيران، والأجواء جميلة، والحياة فيها ممتعة، والمدن التي زرتها بدت لي نظيفة ومنظمة، كما لفتني مستوى الرقي في التعامل لدى شريحة واسعة من المجتمع. والأهم من ذلك أنني لم أشعر، في تفاصيل الحياة اليومية، بأنني في بلد مغلق عليه العالم كما قد يتصور البعض من الخارج.
الحياة مستمرة، والأسواق تعمل، والمطاعم والمقاهي مزدحمة، والجامعات والمراكز العلمية والطبية حاضرة، والناس يمارسون حياتهم بصورة طبيعية، رغم الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة التي مرت بها البلاد خلال العقود الماضية.
ومن أكثر الأمور التي تستوقف الزائر أن إيران استطاعت أن تبني قاعدة علمية وصناعية لا يمكن تجاهلها، خصوصًا في مجالات الطب والصيدلة والهندسة والعلوم التطبيقية.
وقد تكون جائحة كورونا واحدة من أوضح التجارب التي كشفت هذا الجانب؛ ففي الوقت الذي اجتاح فيه الوباء العالم، وأصبحت اللقاحات سلعة عالمية شديدة الطلب، واجهت إيران صعوبات في الحصول على بعض اللقاحات والمستلزمات الطبية من الخارج. لكن العلماء والباحثين الإيرانيين اتجهوا إلى تطوير لقاحات محلية، وتمكنت عدة مشاريع من الوصول إلى مراحل التجارب السريرية والحصول على تراخيص للاستخدام الطارئ.
ومن بين هذه اللقاحات «كوو إيران بركت»، و«سبايكوجين»، و«باستو كوفاك»، و«رازي كوف بارس». وتوثق الدراسات العلمية أن إيران كانت من الدول التي طورت عدة لقاحات محلية خلال الجائحة، وإن كانت في الوقت نفسه قد اعتمدت أيضًا على استيراد لقاحات أجنبية لتوسيع عملية التطعيم.
وهذه التجربة، في تقديري، تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن السياسة؛ لأنها تكشف عن مجتمع علمي استطاع، في ظروف استثنائية، أن ينتقل من موقع المستهلك إلى موقع المنتج في مجال بالغ الحساسية، وهو إنتاج اللقاحات.
قد يختلف المرء مع السياسة الإيرانية، وقد يتفق معها، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن الإيرانيين استطاعوا على مدى سنوات طويلة أن يتكيفوا مع ظروف اقتصادية وضغوط خارجية قاسية؛ فالإنسان الإيراني لم يتوقف عن التعليم، ولم تتوقف الجامعات عن تخريج الأطباء والمهندسين والباحثين، ولم تختفِ الصناعات الدوائية، ولم تتوقف حركة المجتمع.
وهنا تكمن المفارقة التي يلاحظها الزائر: بلدٌ تحيط به صورة الحصار والعزلة في الإعلام، بينما تجد داخله مجتمعًا يتحرك ويعمل ويتعلم ويستهلك وينتج ويبحث عن وسائل للتكيف مع واقعه.
ولا يعني ذلك أن إيران لا تواجه مشكلات اقتصادية أو أن العقوبات لم تؤثر فيها؛ بل إن آثار الضغوط الاقتصادية واضحة، لكن المجتمع استطاع تطوير آليات للتعامل معها، وهو أمر يستحق الدراسة بعيدًا عن الأحكام الجاهزة.
أما موضوع الحجاب، فهو من أكثر القضايا التي تكشف تعقيد المجتمع الإيراني؛ فمن ينظر إلى إيران من الخارج قد يتصور أن الشارع الإيراني صورة واحدة؛ نساء يرتدين الشادور، وحجاب صارم، ومجتمع محافظ بالمعنى التقليدي. لكن الواقع الذي يراه الزائر أكثر تنوعًا؛ فالشادور لا يزال حاضرًا بوضوح، خصوصًا في الأماكن الدينية وبعض المؤسسات والمناسبات، بينما تبدو في المدن الكبرى، وفي الحياة اليومية، أنماطٌ مختلفة من اللباس، كما أصبح عدد متزايد من النساء يظهرن في الأماكن العامة من دون غطاء للرأس رغم استمرار الإطار القانوني الذي يفرض الحجاب.
وقد وثقت مصادر دولية خلال السنوات الأخيرة هذا التغير الواضح في الشارع الإيراني، مع استمرار الجدل داخل المجتمع والدولة حول كيفية تطبيق قوانين الحجاب.
وهذا المشهد يجعل الحديث عن الحجاب في إيران أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن المجتمع «محافظ» أو «منفتح».
هناك إيران الرسمية، وهناك إيران الاجتماعية، وبينهما مساحة واسعة من الحياة اليومية تتغير باستمرار.
ومن خلال ما رأيته، أستطيع أن أطرح قراءة اجتماعية خاصة للمشهد الإيراني، وهي أن المجتمع الإيراني المعاصر يحمل في داخله بعض ملامح الحياة الحضرية والثقافية التي تشكلت في العهد الشاهنشاهي، لكنها تعيش اليوم داخل إطار إسلامي تشكل بعد الثورة.
ولست أقصد بذلك القول إن النظام السياسي عاد إلى الشاهنشاهية، فهذا غير صحيح، وإنما أقصد الحالة الاجتماعية والثقافية.
ففي الشارع الإيراني تجد الحداثة إلى جانب المحافظة، والذاكرة الفارسية إلى جانب الهوية الإسلامية، والمقاهي الحديثة إلى جانب المساجد، والجامعات والمختبرات إلى جانب المؤسسات الدينية، وأنماط الحياة المعاصرة إلى جانب تقاليد اجتماعية ضاربة في القدم.
وهذا التداخل هو الذي يجعل إيران مختلفة عن الصورة النمطية التي قد يحملها البعض عنها.
إنها ليست إيران الشاه، وليست أيضًا مجتمعًا يمكن اختزاله في صورة دينية واحدة؛ بل هي إيران تراكمت فيها مراحل تاريخية وثقافية متعددة، وما زالت هذه الطبقات تتفاعل داخل المجتمع حتى اليوم.
ربما يكون الخطأ الأكبر في قراءة إيران هو اختزالها في حكومتها وسياساتها؛ فإيران بلد له حضارة عريقة، وشعب له ذاكرة تاريخية وثقافية عميقة، ومجتمع شاب ومتعلم، ومدن كبيرة نابضة بالحياة، ومؤسسات علمية وطبية، وثقافة فنية وأدبية واسعة.
وقد يختلف الناس حول النظام السياسي الإيراني، وهذا شأن سياسي قابل للنقاش، لكن المجتمع الإيراني أكبر من السياسة. ومن هنا جاءت تجربتي في إيران مختلفة عن الصورة التي كنت أتوقعها قبل الزيارة.
لقد رأيتُ بلدًا يعيش تحت ضغوط سياسية واقتصادية، لكنه لم يفقد قدرته على الحركة. رأيت مجتمعًا يحافظ على كثير من تقاليده، وفي الوقت نفسه ينفتح على مظاهر الحياة الحديثة. رأيت الحجاب حاضرًا، ورأيت في الوقت نفسه تغيرًا اجتماعيًا واضحًا في أنماط اللباس. ورأيت جامعات ومراكز علمية ومؤسسات طبية تحاول أن تنتج المعرفة والدواء بدل الاكتفاء باستيرادهما.
ولذلك فإن إيران، بالنسبة إلى من يزورها، ليست مجرد خبر سياسي في نشرة أخبار.
إنها بلد له وجه آخر؛ وجهٌ لا يظهر كاملًا في نشرات الأخبار، ولا يمكن فهمه من خلال السياسة وحدها.
إيران التي رأيتها هي مجتمعٌ يحاول أن يعيش، وأن يتعلم، وأن ينتج، وأن يحافظ على هويته، وفي الوقت نفسه يتغير من الداخل. وربما تكون هذه هي المفارقة الأهم في إيران المعاصرة: بلدٌ يعيش بين ذاكرة الماضي، ومتطلبات الحاضر، وطموح المستقبل.
