ما وراء الميداليات.. كيف تتغير الرياضة الآسيوية؟

 

 

 

تشو شيوان **

اختُتِمت دورة الألعاب الآسيوية "آيتشي-ناغويا 2026" مساء يوم الأحد، بعدما تصدرت الصين مجددًا جدول الميداليات الذهبية، فيما تسلّمت قطر في الوقت نفسه علم الدورة. وبين ناغويا والدوحة، لا تبدو عملية التسليم مجرد انتقال بين مدينتين مضيفتين، بل فرصة لإعادة طرح سؤال أوسع: ما الذي تعنيه الرياضة لآسيا اليوم، بعيدًا عن الميداليات والأرقام القياسية؟

بالنسبة إلى الصين، يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة؛ فمنذ عام 1982، تصدرت الصين جدول الميداليات الذهبية في اثنتي عشرة دورة آسيوية متتالية، وأظهرت في هذه الدورة مرة أخرى قوة شاملة في مختلف الرياضات. غير أن فهم الرياضة الصينية اليوم من خلال عدد الميداليات وحده لم يعد كافيًا. فمن أبرز التحولات التي شهدتها خلال العقود الماضية أن الرياضة خرجت تدريجيًا من نطاق المنافسة الاحترافية لتصبح جزءًا من الحياة اليومية لملايين الناس.

الركض والسباحة والريشة الطائرة وركوب الدراجات واللياقة البدنية أصبحت مشهدًا مألوفًا في المدن الصينية، كما بات عدد أكبر من الأطفال يتعرفون إلى الرياضة منذ سن مبكرة. صحيح أن الرياضة تحتاج إلى الأبطال، لكن القاعدة الأكثر صلابة لأي قوة رياضية لا تتمثل فقط في عدد من يقفون على منصات التتويج، بل في حجم المشاركة الشعبية أيضًا. وإذا ظلّ قمة هرم الرياضة التنافسية في الصين مرتفعًا، فإن قاعدته الاجتماعية تتسع هي الأخرى، وربما يكون ذلك من أهم التحولات التي تستحق الملاحظة.

وهذا التحول لا يقتصر على الصين. فقد شهدت هذه الدورة اختراقات لافتة لعدد متزايد من الدول الآسيوية في رياضات مختلفة. وفي سلطنة عُمان، تمكن عدّاءان عُمانيان من إحراز الفضية والبرونزية في سباق 100 متر للرجال، في إنجاز تاريخي تمثل في حصول السلطنة على ميداليتين في المسابقة نفسها ضمن دورة آسيوية واحدة. وبالنسبة إلى دول خليجية تعمل على توسيع حضورها الرياضي، فإن مثل هذا الإنجاز يتجاوز كثيرًا مجرد إضافة رقم إلى جدول الميداليات. فالدول الآسيوية تختلف في عدد السكان، وفي مراحل التنمية، وفي تقاليدها الرياضية، ولا توجد صيغة واحدة للنجاح. للصين نقاط قوتها، ولليابان وكوريا تراكمهما الطويل، فيما تبحث دول غرب آسيا والخليج بدورها عن المسارات الأكثر ملاءمة لظروفها. وهكذا تصبح الرياضة الآسيوية أكثر تنوعًا، وهذا التنوع في حد ذاته مصدر من مصادر الحيوية.

كما أن العلاقة بين الرياضة والتنمية الوطنية تتغير هي الأخرى. فقد استضافت الصين خلال العقود الماضية دورة الألعاب الأولمبية في بكين، ودورة الألعاب الآسيوية في قوانغتشو، ودورة الألعاب الأولمبية الشتوية في بكين، ودورة الألعاب الآسيوية في هانغتشو. وما تتركه هذه الأحداث لا يقتصر على النتائج الرياضية، بل يشمل البنية التحتية، والمساحات العامة، والخبرة في إدارة الفعاليات، وأنماطًا جديدة للحياة. والسؤال الأهم ليس كيف يبدو الاستاد مضاءً ليلة الافتتاح، بل ما إذا كان سيظل مستخدمًا بعد انطفاء الشعلة؛ وليس كم رقمًا قياسيًا تحطم خلال البطولة، بل ما إذا كانت قد دفعت مزيدًا من الناس إلى ممارسة الرياضة بصورة مستدامة.

وهذا السؤال يكتسب أهمية مماثلة في العالم العربي، الذي يزداد انخراطه في الرياضة الدولية. فمن كأس العالم في الدوحة إلى اتساع حضور البطولات الكبرى في الخليج، أصبحت الرياضة جزءًا متزايد الأهمية من التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومن أدوات التواصل مع العالم. وتسلم قطر لعلم الألعاب الآسيوية يؤكد بدوره أن الساحة الرياضية الآسيوية تتسع، وأن المزيد من الدول باتت تجد عبر الرياضة مساحات جديدة للمشاركة والتنمية.

العالم اليوم لا يفتقر إلى المنافسة، والرياضة نفسها تقوم على التنافس. لكن خصوصيتها تكمن في أنها تجمع بين المنافسة والاتصال في آن واحد. وغالبًا ما يُنظر إلى العلاقات بين الصين والدول العربية من زاوية الطاقة والتجارة والاستثمار والبنية التحتية، غير أن تعمّق هذه العلاقات يفتح المجال أيضًا أمام الرياضة لتصبح قناة أكثر قربًا من المجتمع وأكثر التصاقًا بالحياة اليومية للناس.

ستتغير جداول الميداليات، وستُكسر الأرقام القياسية عاجلًا أم آجلًا. لكن الأهم هو ما إذا كانت الرياضة قادرة على جذب مزيد من الناس إلى المشاركة، وعلى ترك أثر مستدام في المدن، وعلى مساعدة المجتمعات المختلفة في آسيا على فهم بعضها بعضًا بصورة أفضل. وربما تكون هذه هي القيمة الأبعد أثرًا من أي دورة رياضية بحد ذاتها.

** كاتب وإعلامي صيني

الأكثر قراءة

z