د. أحمد بن محمد بن راشد الهنائي **
يكتسب دور الشيخ والرشيد في المجتمع العماني أهمية خاصة، لما يتسم به من طابع اجتماعي يسهم في تعزيز التماسك الاجتماعي، وتوثيق الصلة بين المجتمع ومؤسسات الدولة. ويتعزز أثر هذا الدور من خلال توظيف المكانة الاجتماعية والخبرة المجتمعية في رصد احتياجات الأهالي، وتشجيع مشاركتهم في المبادرات المحلية، بالتنسيق مع الجهات المختصة. ومن هنا تبرز أهمية تأطير هذا الدور مؤسسيًا عبر تحديد مجالاته وقنوات التواصل وآليات التنسيق، بما يعزز تكامل الجهود ويدعم مسارات التنمية المحلية.
وبالنظر إلى تطور منظومة التنمية المحلية واتساع نطاقها، وتعدد وتنوع متطلباتها، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في هذا الدور من منظور مؤسسي؛ لا لتغيير طبيعته الاجتماعية، وإنما لتوجيهه بصورة أكثر وضوحًا، وأدق تنظيمًا في خدمة المجتمع. ومما لا ريب فيه أن المعايشة المجتمعية والقرب من الواقع المحلي، اداءة فاعلة في دعم كفاءة التخطيط المحلي، وتعزيز المشاركة المجتمعية، وتعمد في الوقت ذاته من تقريب الخدمات واحتياجات المواطنين، وذلك إذا ما أُحسن استثمارها ضمن تقنين محدد، وتأطيرها ضمن مساقات الإدارة المحلية.
وتأسيسًا على ذلك، سنعمد على بيان دورهما في منظومة الإدارة المحلية، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: الحضور المجتمعي للشيخ والرشيد في سياق التنمية المحلية
تكمن أهمية الشيخ والرشيد في منظومة الإدارة المحلية من خلال قربهما من واقع المجتمع المحلي، وما يتيحه ذلك من اطلاع مباشر على التحديات التي يواجهها المواطن، وترتيب أولويات احتياجاته. حيث إن تموضعهما في القرى والتجمعات السكانية، يتيح لهما المعاينة المباشرة لمتطلبات الأهالي، وتلقي ما يبدونه من ملاحظات في المجالات الخدمية والاجتماعية، وما تستلزمه البيئة المحلية من مبادرات ومشروعات.
وغني عن البيان أن حضورهما المحلي لا يقتصر على نقل الاحتياجات، وتلبية المتطلبات، بل يستوجب أن يمتد دورهما إلى دعم الوعي المجتمعي وبالأخص تحديد الخدمات والبرامج العامة، وتشجيع المبادرات التطوعية، وترسيخ المحافظة على المرافق والبيئة المحلية. بالإضافة إلى كون مكانتهما الاجتماعية تؤهلهما لتعزيز ثقافة الحوار والتعاون بين أفراد المجتمع، عوضًا عن المساهمة في احتواء الإشكالات الاجتماعية البسيطة عبر حلحلتها بالوسائل الودية، الذي من شأنه صون الحقوق والمحافظة على العلاقات، دون إخلال أو مساس باختصاصات الجهات الرسمية والقضائية.
لذا فإن فاعلية الدور لا تقاس ببعده الاجتماعي وحده، بل بمدى قدرته على الارتباط بأولويات التنمية المحلية، وتحويل المعرفة القريبة من واقع المجتمع إلى مقترحات عملية ومبادرات ذات أثر تنموي ومستدام.
ثانيًا: التأطير المؤسسي للدور: قنوات التواصل وحدود المسؤولية
لا جرم أن دور الشيخ والرشيد لا يقوم في الوقت الحالي على اختصاصات قانونية محددة، الأمر الذي يجعل الممارسة العملية لهما متفاوتة من موقع إلى آخر، وتعتمد في غير قليل من الأحيان إلى الاجتهاد الشخصي أو بظروف التواصل القائمة مع مكتب الوالي.
وبطبيعة الحال لا يعني التأطير المؤسسي تحويل الشيخ أو الرشيد إلى جهة إدارية موازية، أو تكليفه بمهام تنفيذية خارج إطار دوره المجتمعي، بل القصد والمعنى القيام بتحديد المجالات التي يساهم فيها، وضبط آليات التواصل والمتابعة الخاصة بخدمات المرافق العمومية الواقعة في إطاره المحلي، وتوضيح حدود المسؤولية بما يحقق التكامل مع مكتب الوالي. حيث أن وضوح الاختصاصات يحقق العديد من المزايا، أبرزها: حسن توجيه الجهد، ومنع تداخل الأدوار، وجعل التواصل مع الأهالي أكثر انتظامًا وفاعلية. ويحفظ في الوقت ذاته المكانة الاجتماعية للشيخ والرشيد، بالإضافة إلى تفعيل هذا الدور في تحقيق تنمية محلية ذات أولوية، بدلاً عن حصره في الاستجابات الظرفية أو المبادرات غير النظامية.
ثالثًا: الاختصاصات المجتمعية الفاعلة ومؤشرات قياس أثرها التنموي
من نافلة القول يمكن أن يشمل التنظيم المقترح اختصاصات مجتمعية وتنموية محددة، يأتي في مقدمتها: رصد احتياجات الأهالي ورفعها عبر القنوات المعتمدة، والمساهمة في التعريف بالخدمات والمشروعات والبرامج العامة، ودعم المبادرات التطوعية، وتشجيع الساكنة على المحافظة على المرافق العامة والبيئة المحلية.
ولا غرو أن تفعيل هذه الاختصاصات يتطلب بناء علاقة منتظمة بين الشيخ والرشيد ومكتب الوالي، من خلال لقاءات دورية وقنوات تواصل واضحة لتلقي الملاحظات والمقترحات، ومتابعة تقدمها، ومراحل إنجازها. بالإضافة إلى أن التواصل المؤسسي والعمل المجتمعي الفعال، من شأنه تعزيز كفاءة هذا الدور وتحقيق أثره الايجابي.
وصفوة القول.. يعد التأطير المؤسسي لدور الشيخ والرشيد في التنمية المحلية استثمارًا واعيًا في ترسيخ القيم العمانية الأصيلة، وتحولاً نحو تحقيق شراكة مجتمعية تقوم على أساس قانوني وبعد تنموي محكم، بغية تعزيز فاعلية دورهما في التنمية المحلية. لذا نرفع التوصيات الآتية إلى وزارة الداخلية للدراسة، والنظر في مدى مناسبة الأخذ بها، وهي:
- اجراء تعديل تشريعي على نظام المحافظات، لتحديد اختصاصات الشيخ والرشيد في التنمية المحلية، وبيان تكاملها مع اختصاصات المحافظ والوالي.
- إعداد دليل اجرائي يوضح آليات ممارسة تلك الاختصاصات، ليشمل رصد الاحتياجات وترتيب الأولويات ودعم المبادرات والتعريف بالخدمات وتشجيع العمل التطوعي.
- اعتماد قناة الكترونية للتواصل بين الشيوخ والرشداء ومكتب الوالي لتبادل المقترحات ومتابعة ما يتخذ بشأنها، مع عقد لقاءات دورية لمناقشة المستجدات والتحديات التنموية.
- توفير برامج تأهيلية تخصصية للشيخ والرشيد في التواصل المؤسسي، ورصد احتياجات المجتمع المحلي، وإدارة المبادرات المجتمعية والعمل التطوعي.
- إرساء آلية مؤسسية للمتابعة والتقييم الدوري لممارسة الشيخ والرشيد لاختصاصاتهما المجتمعية، وفق مؤشرات تشمل رصد الاحتياجات المحلية، وجودة المبادرات المجتمعية، وفاعلية تواصلهما مع الأهالي، وكفاءة نقل احتياجاتهم ومقترحاتهم إلى مكتب الوالي عبر القنوات المعتمدة.
** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية
