حين تنضج الفكرة

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

في حوار جميل ونقاش هادف جمع مجموعة من الشباب دار الحديث حول القراءة في زمن يبدو فيه الكتاب الورقي، بأوراقه ورائحته ودفئه، بعيدًا عن المشهد اليومي لكثير من الناس، تحدث بعض الحاضرين عن تراجع معدلات القراءة والبحث، في وقت تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه، ويجد الإنسان نفسه أمام سيل متواصل من الأخبار والآراء والصور والمقاطع والرسائل، فهناك خبر عاجل يظهر على شاشة الهاتف ومقطع قصير يثير الغضب، ومنشور يدفع القارئ إلى تبني موقف معين، ورسالة متداولة تحذر من أمر ما، كل ذلك يصل في لحظات، وبسرعة تتجاوز أحيانًا قدرة الإنسان على التحقق والتفكير، عندها يصبح السؤال أكثر إلحاحًا، كيف نستطيع الوصول إلى الحقيقة وسط هذا الكم الهائل من الضجيج؟

خلال النقاش قال أحد الحاضرين عبارة جميلة استوقفتني وأعجبتني كثيرًا «العقل الذي لا يقرأ، يصدّق كل شيء» ساد بيننا صمت قصير، وكأن العبارة فتحت بابًا واسعًا للتفكير، ثم استأنفنا الحديث وكل واحد منا ينظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة، وفي واقعنا اليوم لا تكمن المشكلة في قلة المعلومات وإنما في وفرتها الهائلة، فالمعلومة التي كانت تحتاج في الماضي إلى وقت وجهد للوصول إليها أصبحت متاحة أمام الإنسان خلال ثوانٍ، وإن سرعة الوصول إلى المحتوى لا تعني بالضرورة أنه صحيح أو موثوق، فقد تنتشر معلومة خاطئة على نطاق واسع خلال دقائق، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت حتى تظهر تفاصيلها ويتضح سياقها وتُراجع مصادرها.

من هنا تبرز الحاجة إلى عقل يمتلك القدرة على التمييز، فالإنسان الواعي لا يستقبل كل ما يصل إليه باعتباره حقيقة مكتملة وإنما يمنح نفسه فرصة للتفكير قبل التصديق أو المشاركة، يسأل عن المصدر ويتحقق من تاريخ المعلومة، ويتجاوز العنوان المثير إلى التفاصيل، ويحاول معرفة ما إذا كانت هناك روايات أخرى للحدث نفسه، وهنا تصبح المعرفة واحدة من أهم وسائل حماية الإنسان من التضليل.

فكلما امتلك الفرد خلفية أوسع حول القضايا التي يتابعها، أصبح أكثر قدرة على ملاحظة التناقضات والادعاءات المبالغ فيها، المعرفة لا تمنح صاحبها إجابة جاهزة عن كل سؤال، لكنها تمنحه قدرة ثمينة على طرح السؤال الصحيح وهذه مهارة قد تكون في أحيان كثيرة أهم من امتلاك الإجابة.

لقد تغيرت أساليب التضليل كثيرًا مع تطور البيئة الرقمية ولم تعد القصة الكاذبة بحاجة إلى مؤسسة إعلامية كبيرة حتى تصل إلى الناس، والصورة القديمة يمكن وضعها في سياق جديد، وتصريح قيل قبل سنوات يمكن تقديمه على أنه حديث، ومقطع قصير قد يحذف ما سبقه وما تلاه فيظهر المشهد بصورة مختلفة تمامًا عن الحقيقة.

وفي أحيان أخرى لا تكون المشكلة في اختلاق المعلومة من أساسها وإنما في الطريقة التي تُعرض بها، قد يكون الرقم صحيحًا لكن تفسيره يقود إلى نتيجة مضللة، وقد تكون الصورة أصلية ثم تُربط بحدث آخر فتتشكل منها رواية غير صحيحة، وقد يكون التصريح قد قيل بالفعل ثم يؤدي حذف جملة سابقة أو لاحقة إلى تغيير معناه بصورة كاملة.

لهذا يحتاج الإنسان إلى عادة ذهنية تقوم على التمهل فالمحتوى الذي يثير المشاعر بقوة يحتاج إلى قدر أكبر من التفكير قبل تصديقه، والغضب والخوف والصدمة مشاعر يسهل استثمارها لدفع الجمهور إلى التفاعل السريع ولهذا تعتمد مواد كثيرة على عناوين تستفز القارئ وتدفعه إلى المشاركة قبل أن تمنحه فرصة كافية لفهم الموضوع، وكما أن تنوع مصادر المعرفة يوسع زاوية النظر إلى العالم فعندما يقرأ الإنسان ويطلع على أفكار وتجارب متعددة، يدرك أن القضايا المعقدة نادرًا ما يمكن اختصارها في رأي واحد، وقد يكتشف أن موقفًا كان يراه واضحًا يحتاج إلى مراجعة، أو أن قضية بدت له بسيطة تحمل جوانب وتفاصيل لم تكن حاضرة في ذهنه.

ومن التحديات التي فرضتها البيئة الرقمية أيضًا العيش داخل دوائر فكرية مغلقة، فالخوارزميات غالبًا ما تقدم للمستخدم محتوى قريبًا من الأشياء التي اعتاد التفاعل معها فيجد أمامه الآراء ذاتها والمواقف ذاتها والمصادر نفسها ومع مرور الوقت قد يتولد لديه شعور بأن الجميع يفكرون بالطريقة نفسها، بينما الواقع أكثر تنوعًا واتساعًا مما يظهر على شاشة هاتفه، والخروج من هذه الدائرة يحتاج إلى فضول معرفي حقيقي؛ فضول يدفع الإنسان إلى البحث عن الرأي المختلف، والاستماع إلى الحجة التي لا تتفق مع قناعته، ومحاولة فهم وجهة نظر الطرف الآخر قبل إصدار الحكم عليه، وهذا لا يعني التخلي عن المواقف الشخصية، وإنما يعني الوصول إليها بعد معرفة أوسع بالصورة العامة وقدرة أكبر على الدفاع عنها.

وتظهر أهمية هذه المهارة في تفاصيل الحياة اليومية أيضًا فالمعلومات المتعلقة بالصحة والاقتصاد والتعليم والعمل والعلاقات تصل إلى الناس بكميات كبيرة، وبعضها يقدم في صورة نصائح حاسمة وكأنها حقائق تنطبق على الجميع، ومع غياب التحقق يمكن لتجربة شخصية أو رأي فردي أن يتحول عبر وسائل التواصل إلى قاعدة عامة يتداولها الآلاف، وأما الإنسان الذي يمتلك أساسًا معرفيًا جيدًا فإنه يكون أكثر قدرة على التفريق بين التجربة الفردية والمعلومة الموثوقة، وبين الرأي الشخصي والاستنتاج القائم على الأدلة، وهذه القدرة لا تتكون في يوم واحد، وإنما تنمو تدريجيًا من خلال القراءة والاطلاع والمقارنة والتجربة ومراجعة الأفكار.

ولا يرتبط الأمر بعدد الكتب التي يقرأها الإنسان ولا بعدد الساعات التي يقضيها أمام الصفحات، فالقيمة الحقيقية تكمن في الأثر الذي تتركه المعرفة في طريقة تفكيره ونظرته إلى الأشياء، قد يقرأ شخص عشرات الكتب دون أن يتغير شيء جوهري في طريقته في التعامل مع الأفكار، بينما يستطيع كتاب واحد في بعض الأحيان أن يفتح أمام الإنسان بابًا جديدًا للفهم ويغير زاوية نظره إلى الحياة، فالغاية الأهم أن يصبح السؤال جزءًا أصيلًا من طريقة التفكير......  من قال ذلك؟ ما الدليل؟ متى قيلت هذه المعلومة؟ هل تغير السياق؟ هل يوجد مصدر مستقل يؤكدها؟ وهل هناك تفسير آخر لما أراه؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تحمي الإنسان من الوقوع في كثير من الفخاخ المنتشرة في الفضاء الرقمي، وكما أنها تمنحه مسافة ضرورية بين المعلومة ورد الفعل، ومساحة صغيرة للتفكير قد تكون كافية لاكتشاف خطأ كان يمكن أن يدفعه إلى موقف أو قرار متسرع، وعلى الجانب الآخر فإن إهمال المعرفة يجعل الإنسان أكثر قابلية للتأثر بالأصوات الأعلى حضورًا والأكثر انتشارًا،  وعندما يغيب البحث والتحقق، قد تتحول الشهرة إلى بديل عن المصداقية، وتصبح كثرة المشاركات دليلًا وهميًا على صحة المعلومة، وتتحول ثقة المتحدث في نفسه إلى سبب كافٍ لتصديق كلامه.

لهذا تظل القراءة والمعرفة عنصرين أساسيين في بناء الوعي فهما يتجاوزان فكرة الترف الثقافي إلى كونهما وسيلة لفهم العالم والتعامل مع تعقيداته، والإنسان لا يحتاج إلى معرفة كل شيء، فهذا أمر يصعب تحقيقه، لكنه يحتاج إلى معرفة كيف يبحث، وكيف يتساءل، وكيف يراجع ما يصل إليه، وكيف يفرق بين المعلومة التي تستحق الثقة والمعلومة التي تحتاج إلى مزيد من التحقق، وفي عصر تصل فيه المعلومة إلى ملايين الناس في اللحظة نفسها، لم تعد القيمة الحقيقية في سرعة الوصول إليها وحدها، وإنما في القدرة على فهمها، وتحليلها، وربطها بسياقها الصحيح.

العقل الواعي لا يصدق لأن الآخرين صدقوا، ولا يرفض لأن الآخرين رفضوا، إنه يبحث عن الدليل، ويمنح نفسه وقتًا كافيًا للفهم ويدرك أن الوصول إلى الحقيقة قد يحتاج إلى صبر أطول من الوقت الذي تستغرقه الكذبة في الانتشار، ومن هنا تبدو العبارة أكثر حضورًا في زمننا، وأكثر قدرة على وصف واقع نعيشه كل يوم هنا يمكن أن نقول فعلًا «العقل الذي لا يقرأ… يصدّق كل شيء».

الأكثر قراءة

z