الواقع اليمني وتوازنات الإقليم ومسؤولية الداخل

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

يستمر اليمن في دفع ثمن حرب طال أمدها، وانقسامات تجاوزت السياسة إلى الجغرافيا ومؤسسات الدولة والمجتمع، فيما تتداخل أزمته الداخلية مع تحولات المنطقة وصراعاتها، من البحر الأحمر وباب المندب إلى خليج عدن وبحر العرب، لتجعل منه إحدى أكثر ساحات الإقليم حساسية وتأثرًا بتبدل موازين القوى والمصالح.

وقد عمقت سنوات الحرب تعدد مراكز القوة والنفوذ داخل البلاد؛ فالشمال تحكمه معادلات سياسية وعسكرية معقدة، والجنوب تتقاطع فيه مشاريع ورؤى مختلفة لمستقبله، فيما اكتسب الشرق، من حضر موت إلى المهرة، أهمية سياسية واقتصادية وجيوسياسية متزايدة. وأصبح الساحل اليمني وموانئه وموقعه على الممرات البحرية جزءًا من معادلة أمنية تتجاوز الحدود اليمنية، بحيث بات أي اضطراب داخلي قابلًا لإحداث ارتدادات في المحيط الإقليمي والدولي.

في هذا المشهد تتقاطع المصالح اليمنية مع مصالح إقليمية ودولية متعددة؛ فلدول المنطقة اعتبارات تتصل بأمنها واستقرارها ومصالحها، مثلما للقوى اليمنية رؤاها ومشاريعها ومصالحها المختلفة. وقد أدى ضعف مؤسسات الدولة واستمرار الانقسام إلى توسيع مساحة التأثير الخارجي، حتى أصبحت تطورات الداخل اليمني شديدة الارتباط بحسابات الإقليم وتحولاته.

وهذه العلاقة بين الداخل والخارج ليست طارئة على اليمن ولا على غيره من دول المنطقة، لكن استمرار الحرب جعلها أكثر حضورًا وتأثيرًا. فكلما ضعفت قدرة اليمنيين على إنتاج تفاهماتهم الوطنية، ازدادت قدرة العوامل الخارجية على التأثير في مسار الأحداث، وكلما استعادت المؤسسات الوطنية دورها وقدرتها على التعبير عن مصالح اليمنيين، أصبحت علاقة اليمن بمحيطه أكثر توازنًا واستقرارًا.

وتبقى سلطنة عُمان، بحكم الجغرافيا والتاريخ، من دول الجوار الأكثر اتصالًا بما يجري في شرق اليمن؛ فالحدود مع المهرة، والامتدادات الاجتماعية بين جانبيها، والموقع المشترك على بحر العرب، تجعل استقرار هذه المنطقة جزءًا من استقرار الجوار بأسره.

وقد حافظت عُمان على نهج يقوم على الحوار والوساطة وإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، ضمن جهود إقليمية ودولية متعددة سعت، بدرجات وأساليب مختلفة، إلى وقف الحرب وتهيئة ظروف التسوية. كما أن أمن اليمن واستقراره يرتبطان بصورة وثيقة بأمن جواره، وفي مقدمته دول شبه الجزيرة العربية، التي تتأثر بصورة مباشرة بما يحدث داخله وبأمن حدوده وممراته البحرية. ومن هنا تظل علاقات اليمن بدول الجوار ضرورة تفرضها الجغرافيا والتاريخ والمصالح المشتركة، ويظل استقرار اليمن مصلحة يمنية وإقليمية في آنٍ واحد.

لكن التجربة الطويلة للحرب أثبتت أن الخارج، مهما بلغت قدرته وتأثيره، لا يستطيع أن يصنع لليمن استقرارًا دائمًا ما لم تتوافر له أرضية يمنية تحمله وتحميه. فالتسويات يمكن أن تُرعى، والحوار يمكن أن يُيسّر، والدعم يمكن أن يساعد في إعادة البناء، أما الدولة فلا يستطيع بناءها إلا أبناؤها.

بمعنى آخر، لن ينصلح حال اليمن من الخارج بقدر ما يكمن صلاحه في أيدي أبنائه جميعًا، دون استثناء. واستعادة الدولة تبدأ حين تصبح مصلحة اليمن وشعبه المرجعية التي تسبق مصالح القوى والجماعات والأحزاب والمناطق والأشخاص، وحين تُبنى العلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي على أساس المصالح المتبادلة واحترام السيادة والقرار الوطني.

إن تعدد علاقات القوى اليمنية بمحيطها الإقليمي جزء من واقع صنعته السياسة والجغرافيا وسنوات الحرب، كما أن لدول المنطقة مصالح أمنية وسياسية واقتصادية مشروعة تتصل بما يحدث في اليمن. غير أن استقرار البلاد على المدى البعيد يتطلب أن تصبح المصلحة الوطنية اليمنية هي الإطار الذي تنتظم داخله هذه العلاقات، وأن يتعامل اليمنيون مع محيطهم من موقع الشراكة والمصالح المتبادلة، بما يحفظ لليمن قراره ويحفظ لجيرانه أمنهم ومصالحهم.

وتقع هذه المسؤولية على جميع القوى والمكونات اليمنية، دون استثناء أو انتقاص من خصوصية أي قضية أو منطقة أو مكوّن. فاختلاف الرؤى حول شكل الدولة ومستقبلها، وتعدد القضايا والمطالب، حقائق لا يمكن تجاوزها، لكنها تحتاج إلى إطار وطني قادر على استيعابها وتحويلها من أسباب للصراع إلى موضوعات للحوار والتوافق.

واليمن، بتنوع مناطقه ومكوناته وتاريخه الاجتماعي والسياسي، أكبر من أن يختزله مشروع واحد أو جماعة واحدة، مثلما أن مستقبله لا يمكن أن يستقر بإقصاء جزء من أبنائه. وأي بناء سياسي قابل للحياة يحتاج إلى مساحة تتسع للجميع، وإلى قواعد تضمن المشاركة والحقوق وتعيد للدولة مكانتها باعتبارها الإطار الجامع لهذا التنوع.

ومن هنا تصبح المراجعة اليمنية ضرورة لا تقل أهمية عن أي تسوية سياسية. مراجعة تضع المصالح الضيقة جانبًا، وتعيد ترتيب الأولويات، وتجعل العلاقة مع الخارج امتدادًا للمصلحة الوطنية لا بديلًا عنها؛ فالعلاقة الطبيعية والمستقرة مع دول الجوار والعالم هي علاقة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، وتزداد توازنًا كلما كانت الدولة اليمنية أكثر حضورًا وقدرة على التعبير عن إرادة شعبها.

لقد دفع الشعب اليمني ثمنًا باهظًا من حياته وأمنه واقتصاده ومستقبل أجياله، وأصبح استمرار الانقسام استنزافًا لليمن كله، بصرف النظر عن المكاسب التي قد يحققها هذا الطرف أو ذاك في لحظة سياسية أو عسكرية عابرة.

والمخرَج يبدأ بإرادة يمنية جامعة تدرك أن الوطن يتسع للجميع، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى سبب دائم للحرب، وأن قوة أي مكوّن يمني لا تكتمل بضعف بقية المكونات، كما أن أمن أي منطقة لا يمكن أن يستقر طويلًا في وطن مضطرب.

اليمن لن يكون أولوية لأحد أكثر من أبنائه، ولن يصنع مستقبله سواهم. والخارج يستطيع أن يساعد اليمنيين على الوصول إلى السلام، لكنه لا يستطيع أن يصنعه بدلًا عنهم. وحين تصبح مصلحة اليمن وشعبه فوق المصالح الضيقة والارتباطات كافة، يبدأ الطريق الحقيقي نحو استعادة الدولة والسلام والاستقرار.

الأكثر قراءة

z