ماذا لو كنتُ أنا الميزان؟

 

 

 

عائض الأحمد

كانت تدخل المكان كما لو أن الأشياء تسبقها في الاعتذار. لا تحتاج أن تقول شيئًا كثيرًا… يكفي أن تلتفت، حتى يُعاد ترتيب ما حولها على نحوٍ لا يُشبه ما كان قبلها.

في حضورها، لا يكون الحديث حوارًا، بل اختبارًا خفيًا: من الذي فهم؟ ومن الذي لم يصل بعد إلى مستوى «الصواب»؟

كانت ترى أن الأشياء لا تُترك كما هي، بل كما يجب أن تكون… وأن اختلافها عن رأيها ليس اختلافًا، بل خللٌ مؤقت في إدراك الآخر.

وحين يُطلب منها ما لا يوافق رأيها، تتردد. ليس لأنه خطأ، بل لأنه لا ينسجم مع اعتقادها، ويبدو ناقصًا؛ وكيف له ألّا يُختم بختمها؟

تقول بنبرةٍ فيها تعالٍ: «ليس كل ما يُفعل… يستحق أن يُسمّى صحيحًا». ثم تصمت، وكأن الصمت هنا ليس توقفًا، بل حكمًا مؤجلًا، يترك أثرًا أثقل من الكلام.

الغريب… أنها حين تُخطئ، لا تتقبّل الخطأ كفعلٍ إنساني. بل كأن العالم بأكمله هو من أخطأ في حقها.

تتغير ملامحها فجأة، لا كغضبٍ عابر، بل كأن نظامًا داخليًا انهار. وتبدأ اللغة عندها بالتحول من تفسير إلى محاكمة.

«كيف يُفعل هذا وأنا هنا؟»

ليست الجملة سؤالًا… بل اتهامًا للوجود نفسه.

وحين تشعر أنها خرجت من دائرة السيطرة، لا تعود إلى الهدوء، بل إلى العقاب. كأن الألم عندها ليس نتيجة، بل وسيلة لإعادة تثبيت المعنى في الآخرين.

وفي كل مرة، كانت تظن أنها تعيد ترتيب العالم… بينما كانت في الحقيقة تعيد ترتيب صورتها فيه فقط.

كان من حولها يتعلمون شيئًا غريبًا: أن القرب منها ليس امتيازًا، بل مسؤولية مستمرة لتشبه ما لا يُشبههم.

ومع الوقت… لم تعد ترى الناس كما هم، بل كما يفترض أن يكونوا كي لا يختل ميزانها الداخلي.

وفي لحظة لا يلاحظها أحد، تصبح هي العالم في داخلها… ويصبح العالم مجرد احتمالٍ يجب أن يوافقها كي يستمر.

لها: لم تكن تريد السيطرة عليهم… كانت تخاف أن يكونوا بلا شكلٍ يُشبه يقينها.

شيء من ذاته: كل ما أرفضه في الآخرين… كان يحاول أن ينجو منّي.

نقد: حين يتحول اليقين إلى مركز العالم، يصبح الاختلاف خيانة… حتى لو كان مجرد حياةٍ أخرى لا تشبه يقينها.

الأكثر قراءة

z