إسماعيل بن شهاب البلوشي
استوقفتني شجرة النارنج منذ سنوات، ليس فقط لأنها واحدة من أشجار الحمضيات القديمة التي عرفناها في عُمان، وإنما لأنني كلما سافرت إلى عدد من الدول وجدت هذه الشجرة حاضرة بقوة في الشوارع والحدائق والساحات العامة، وكأن هناك اتفاقًا غير مكتوب على اختيارها دون كثير من الأشجار الأخرى.
رأيتها في عدد من الدول الأوروبية، ورأيتها كذلك في إيران، في شيراز وطهران، وفي أذربيجان وغيرها من الأماكن. وفي كل مرة كان السؤال نفسه يتكرر في ذهني: لماذا النارنج تحديدًا؟ ولماذا اختيرت هذه الشجرة لتكون جزءًا من المشهد الحضري في مدن تختلف في مناخها وبيئتها وثقافتها؟
ومع السؤال والبحث، وكذلك الحديث المباشر مع بعض أهل تلك البلدان، اتضح لي أن الأمر ليس مصادفة، وأن اختيار النارنج لم يكن لمجرد جمال الشجرة أو اخضرارها، بل وراءه ثقافة زراعية وتجربة طويلة.
النارنج شجرة جميلة ومثمرة في الوقت نفسه، وتتميز بقدرتها على تحمل ظروف بيئية مختلفة نسبيًا، كما أنها شجرة قوية إذا استقرت جذورها وأُحسن اختيار موقعها والعناية بها. وهي تتحمل التقليم، وتحتفظ بجمالها وخضرتها، وتمنح المكان رائحة مميزة عند الإزهار، ثم تتحول أزهارها إلى ثمار تبقى على الشجرة فترة طويلة فتضيف إليها جمالًا آخر.
والأهم من ذلك كله أن الثمرة نفسها ليست بلا قيمة كما قد يتصور البعض. لقد توارثت مجتمعات عديدة ثقافة الاستفادة من النارنج؛ فعصيره الحامض المُرّ يدخل في بعض المشروبات والأطعمة بعد معالجته أو تحليته، وتُصنع من ثماره أنواع من المربى والحلويات، ويستفاد من قشره وزهره بطرق مختلفة. وهنا تتحول الشجرة من مجرد عنصر لتجميل الطريق إلى شجرة لها قيمة جمالية وغذائية وتراثية في الوقت نفسه.
وفي عُمان، النارنج ليس غريبًا عن أرضنا ولا عن ذاكرتنا. لقد عرفه العُمانيون منذ زمن طويل، وارتبط في بعض البيئات بالبساتين والبيوت القديمة والأفلاج، ودخل حتى في الذاكرة الشعبية والشعرية. وأنا شخصيًا كنت واحدًا ممن استوقفتهم هذه الشجرة وكتبت عنها يومًا في قصيدة، لما لها من حضور خاص في الذاكرة والمكان. لكن المفارقة أن النارنج، رغم هذا التاريخ، لا يحظى اليوم بالمكانة التي يستحقها ضمن مشاريع التشجير الحديثة.
ونحن اليوم أمام توسع عمراني كبير، وطرق جديدة، وحدائق ومتنزهات ومخططات سكنية ومشروعات تجميل للمدن والولايات. ومن هنا أطرح فكرة أراها جديرة بالتجربة: لماذا لا يكون للنارنج نصيب أكبر في خطط التشجير في سلطنة عُمان؟
لا أدعو إلى زراعته في كل مكان بصورة عشوائية، ولا إلى استبدال الأشجار المحلية الأخرى به، وإنما إلى تجربة علمية منظمة تقوم بها وزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، بالتعاون مع البلديات في مختلف المحافظات. ويمكن اختيار عدد من المواقع التجريبية في محافظات مختلفة، وزراعة أصناف مناسبة من النارنج، ثم قياس أدائها لعدة سنوات: كمية المياه التي تحتاجها، قدرتها على تحمل حرارة الصيف، ومدى ملاءمتها لملوحة المياه والتربة في كل منطقة، ومقاومتها للآفات، وتكاليف صيانتها مقارنة بالأشجار المستخدمة حاليًا في التشجير.
عندها لن يكون القرار قائمًا على الانطباع، وإنما على أرقام وتجربة عُمانية واضحة.
وقد تكون البداية في الحدائق العامة، والممرات الداخلية، وبعض الطرق التي تتوافر فيها شبكات الري الحديثة، ومداخل المدن والقرى والمواقع السياحية، مع مراعاة ألا تزرع في المواقع التي قد يؤدي تساقط ثمارها فيها إلى إزعاج مستخدمي الطريق أو التأثير في السلامة والنظافة.
وأرى أن في الفكرة بُعدًا آخر يستحق الاهتمام؛ فنحن عندما نزرع شجرة مثمرة نعيد شيئًا من مفهوم البستان إلى المدينة. الطفل يرى الثمرة، ويتعرف إلى الشجرة، والناس يستعيدون علاقتهم بالنبات المنتج بدل أن تبقى بعض المساحات الخضراء مجرد مشهد بصري؛ بل يمكن، إذا نجحت التجربة واتسعت، أن تتطور حول النارنج صناعات منزلية صغيرة ومنتجات محلية: مربى النارنج، وقشوره المحفوظة، وبعض الحلويات والمشروبات والمنتجات المستخرجة من زهره. وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد تشجير شارع؛ إنها استعادة لشجرة تراثية ومنحها وظيفة اقتصادية وبيئية وجمالية جديدة.
إنني عندما رأيت النارنج مصطفًا في شوارع مدن بعيدة، تساءلت: لماذا نجح لديهم؟ ولماذا لا نختبر نحن تجربتنا الخاصة معه، وهو شجر نعرفه وتعرفه أرضنا منذ أجيال؟
لدينا في عُمان إرث زراعي كبير، وليس المطلوب دائمًا أن نبحث بعيدًا عن أشجار جديدة؛ ففي بعض الأحيان يكون الحل أمام أعيننا، في شجرة قديمة اعتدنا وجودها حتى نسينا قيمتها.
النارنج يستحق وقفة، ويستحق تجربة علمية جادة؛ فلنُجرِّبه في عدد من محافظات عُمان، ولنراقب النتائج لسنوات قليلة، ولنحسب الماء والتكلفة والإنتاج والتحمل. فإن أثبت نجاحه، فلنمنحه مكانًا أوسع في شوارعنا وحدائقنا ومدننا.
وربما يأتي يوم يصبح فيه النارنج مرة أخرى جزءًا أصيلًا من المشهد العُماني؛ شجرة للظل والجمال والرائحة والثمر والذاكرة، وشجرة تربط بين ما زرعه الأجداد وما نريد أن نورثه للأجيال القادمة.
