إنهم يكيدون كيدًا

 

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

من يظُن أن ما يحدث من هجوم على سلطنة عُمان ورموزها الوطنية والدينية أمرٌ عادي؛ فهو مُخطئ؛ بل إنِّها حملة مُنظمة ومخططة ومرتبة بطريقة دقيقة، ولها سيناريوهات متعددة ومتنوعة تهدف جميعها إلى زعزعة استقرار البلاد، وخلق حالة من الفوضى والتشكيك في مواقف الدولة، هذه المواقف التي تقاطعت مع طموح وأحلام وآمال تجار الحرب والسلاح، ومُشعلي الفتن، في سبيل تحقيق مآربهم وأهدافهم، فلم يجدوا سوى أن يُجنِّدوا أنفسهم لمحاربة دولة دائمًا ما تدعو للسلام والتسامح والتعايش ونبذ العنف والكراهية والصراعات، واتخذت من الحوار سبيلًا لحل الخلافات بين الأطراف بعيدًا عن صوت المدافع والقنابل والصواريخ.

لم تعد الحرب العسكرية هي العنصر الوحيد للقضاء على الدول والسيطرة عليها فقد تغيرت أدوات الصراع في العصر الرقمي، لقد أصبحت الحرب ذات بطش أشد فهي تستهدف قيم المجتمع وثقته وتماسكه، وهي حرب تعبث بتقاليد الشعوب وثقافتها حين تتمكن من الوعي والتفكير. كما تعمل هذه الحرب على استهداف الرأي العام وخلق الجدل وصناعة الانطباعات كما يريدها العدو بطريقة حربائية تتغلغل بهدوء إلى العقول دون وعي وإدراك إلى أن تتمكن وتظهر على صورة حدث صادم للمجتمع.

إن صناعة الإشاعة وتزييف الحقيقة باتت حرفة مُتقنة من الخُبثاء الذين كُتب عليهم الفساد في الأرض، وقد يحار العقل في مدى قدرتهم وتمكنهم من حبك القصص وتدبير الأحداث للوصول إلى إقناع الناس بما يريدون. ولقد سمعنا قصصًا كثيرة حول أحداث هزّت العالم ومرَّت عبر هذا التخطيط الخبيث، وقد اتخذت هذه المنظمات مجموعة من الأساليب للوصول إلى هدفها مثل الحسابات الوهمية، والأخبار المُضلِّلة، واجتزاء التصريحات، والصور والفيديوهات المُزيَّفة، وانتهجوا نهجًا واضحًا في سبيل ذلك؛ مثل: إعادة تدوير المعلومة الكاذبة حتى تتحول في أذهان البعض إلى "حقيقة"، واستغلال القضايا الاقتصادية والاجتماعية والحوادث والأزمات لإثارة القلق وإضعاف الثقة في الحكومة. وهنا تكمن الخطورة عندما يتحول المواطن، بحسن نية، إلى أداة لنشر ما صُنع لاستهداف مجتمعه.

وبطبيعة الحال، فإنَّ الدولة تُدرك ما يُحاك ضدها من مؤامرات تستهدف إجبارها على المضي في مشروعهم التطبيعي الموهوم، لكن كعادة سلطنة عُمان فإنَّ قوتها تكمن في هدوئها وتماسك شعبها وتكاتفهم خلف قيادتهم. هذا التماسك الذي يقف جدارًا أمام حملات التضليل، لأنه تماسكٌ يقوم على الوعي والمسؤولية والثقة في المؤسسات الوطنية التي تسعى بكل قوة لحماية الوطن. ولذلك يجب علينا كمواطنين أن نستقي معلوماتنا من المصادر الرسمية وعدم الانجرار وراء الحسابات الوهمية. كما علينا أن نوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الوطنية، وهذا يتطلب قدرًا كبيرًا من الوعي وإدراك الواقع؛ فالتوقيت مهم جدًا للنقد والتعبير عن الرأي وإثارة القضايا الاجتماعية في وسائل التواصل الاجتماعي؛ حيث يجد المتربصون فرصة للنفخ في نار الفتنة، خاصة إذا كان الموضوع المثار يحمل الطابع الديني والمذهبي.

ما نشاهده من زيف وحملات تضليل تستهدف وطننا بلا شك سوف يستمر لأننا نحافظ على مواقفنا ومبادئنا تجاه القضايا الإسلامية والعربية، ولن ينتهي إلّا بزوال الكيان الغاصب للأرض العربية، وتنكسر شوكته هو وأعوانه، ولذا علينا الثبات على مبادئ الحق وقيم السلام والعدل والمساواة؛ فالثوابت لا مساومة عليها، والحق لا يقبل الجدال ولا يقبل التنازلات، وسوف نبقى على مبادئنا كما بقي عليها الأولين. وإمَّا زوال هذا الكيان اللقيط، وهذا نراه حقًا مثلما وعد الله تعالى ورسوله؛ فالظالم له نهاية محسومة ومصير معلوم وفي التاريخ عبرة لمن كان يعتبر.

إنهم يكيدون لهذا الوطن هم وأعوانهم، وعلينا أن نُدرِك أن هناك اتجاهًا واضحًا نحو التضليل والافتراء وأجندة مصاغة بدقة عالية، تهدف إلى تنفيذ مخطط خبيث يقضي على العالم، ولذلك تقع على جميع الدول الحُرة مسؤولية مواجهة هذا الكيان وتحييد مخططاته وكشف وجهه الحقيقي، القائم على الغدر والظلم والقتل والتهجير، وصدق الله وعده في كتابه الكريم "فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا" (الطارق: 17).

الأكثر قراءة

z