حاتم الكثيري
ذات مساء، حين تخفُّ حركة المدن، وتنسحب الشمس من أطراف المشهد، ويجلس المواطن البسيط مع نفسه بعد يومٍ طويل، لا يكون المساء مجرد انتقالٍ من ضوء النهار إلى عتمة الليل؛ بل يصبح مساحةً واسعةً للتأمل، ومجلسًا صامتًا تتجاور فيه الأسئلة مع الأمنيات، والانتظار مع الرجاء.
هناك، في ذلك المساء، يجلس مواطن لم يطلب من الحياة قصرًا، ولا من الدولة معجزة؛ كل ما يريده أن يشعر بأن القرارات التي تُتخذ باسمه، وتُعلن من أجله، قد عبرت المسافة الفاصلة بين مكاتب القرار وواقعه اليومي؛ فالمواطن لا يقرأ القرار دائمًا كما كُتب، وإنما يختبره كما يُعاش.
قد يبدو القرار عظيمًا في صياغته، دقيقًا في بنوده، منضبطًا في أرقامه، لكنه حين يصل إلى حياة الناس قد لا يجد المكان الذي كان يُفترض أن يجدَه. وهنا تبدأ تلك المسافة الصامتة بين ما تراه عين الإدارة، وما تلمسه يد المواطن.
وليس كل مسؤول بعيدًا عن معاناة الناس؛ فكثير من المسؤولين يحملون همومًا ثقيلة، ويتعاملون مع منظومة معقدة من القوانين والموارد والأولويات والالتزامات، ويتخذون قراراتهم في مساحة ليست دائمًا رحبة، ولا تسمح لهم بتحقيق كل ما يتمنونه في اللحظة التي يتمنونها.
المسؤول، في نهاية الأمر، ليس صاحب عصا سحرية.
إنه أيضًا يقف أمام واقع له حدوده، وميزانيات لها سقوفها، وأنظمة لها مقتضياتها، وتحديات قد لا تظهر للمواطن في صورتها الكاملة.
لكن المواطن كذلك ليس رقمًا في جدول، ولا خانةً في تقرير، ولا نسبةً في مؤشر.
إنه إنسان له بيت، وأبناء، والتزامات، وأحلام صغيرة تبدو للإدارة بسيطة، لكنها بالنسبة إليه قد تكون أثقل من كثير من الملفات الكبرى.
ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن تفعله الإدارة ليس أن تجعل كل قرارٍ مثاليًا، فهذا غير ممكن، وإنما أن تجعل الإنسان حاضرًا في صناعة القرار، وفي قياس أثره، وفي مراجعة نتائجه.
الفارق بين القرار الذي يُحسن وصف المشكلة، والقرار الذي يُحسن حلها، هو الفارق بين النظر إلى الواقع من النافذة، والنزول إلى الطريق.
وفي المساء، تتكشف أشياء لا تظهر في ساعات العمل.
تتراجع ضوضاء المكاتب، وتبقى ضوضاء الحياة.
هناك موظف ينتظر ترقيةً طال انتظارها، وأب ينتظر انفراجًا في شأن أسرته، وشاب ينتظر فرصةً يرى فيها مستقبله، وأسرة تحسب مصروفها آخر الشهر، ومتقاعد ينظر إلى ما تبقى من عمره بعينٍ أكثر حساسية تجاه التفاصيل.
هؤلاء لا يريدون من القرار أن يكون جميلًا فقط؛ يريدونه أن يكون قابلًا للحياة.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة أن يتسع الفارق بين القرار كما يُعلن، والقرار كما يشعر به الناس.
فحين يشعر المواطن أن صوته لا يصل، يبدأ الانتظار في التحول إلى صمت.
وحين يطول الصمت، قد تتحول الأمنيات إلى أسئلة.
وحين تتراكم الأسئلة بلا إجابات مقنعة، تصبح المسافة النفسية بين المواطن والقرار أكبر من المسافة الجغرافية بينهما.
وهنا تأتي أهمية المسؤول الذي لا يكتفي بأن يسأل: هل صدر القرار؟ بل يسأل السؤال الأعمق: ماذا فعل القرار بالناس؟
فالقرار الناجح ليس الذي يغادر مكتب المسؤول مختومًا وموقعًا، وإنما الذي يصل إلى حياة الناس دون أن يفقد روحه.
والمسؤول الناجح ليس من لا يواجه التحديات، فذلك غير موجود، وإنما من يعرف كيف يشرحها، وكيف يوازن بينها وبين تطلعات الناس، وكيف يفتح نافذةً للأمل حين لا يستطيع فتح الباب كله.
الشفافية ليست أن تقول للناس كل ما تريد قوله، وإنما أن تمنحهم الحقيقة التي يحتاجون إلى معرفتها.
والحكمة الإدارية ليست في كثرة القرارات، وإنما في معرفة متى يكون القرار ضرورة، ومتى تكون المراجعة ضرورة، ومتى يكون الاستماع إلى الناس جزءًا من القرار نفسه.
وفي المجتمعات الراسخة، لا ينبغي أن يكون المواطن في جهة، والمسؤول في جهة أخرى؛ فكلاهما في سفينة واحدة، وإن اختلف موقع كل منهما فيها.
المواطن يرى أمواجًا قد لا يراها المسؤول من مكتبه، والمسؤول يرى خرائط قد لا يراها المواطن من منزله.
وبين الرؤية والرؤية، تحتاج الدولة إلى جسر اسمه الحوار؛ فليس كل مطلبٍ قابلًا للتحقيق فورًا، وليس كل قرارٍ قابلًا للتأجيل، لكن كل مواطن يستحق أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن معاناته مفهومة، وأن القرار الذي يمس حياته لم يُتخذ بعيدًا عن حقيقة حياته.
ثم يأتي المساء... ذلك المساء الذي لا يُجامل أحدًا.
تسكن الشوارع، وتغلق المكاتب أبوابها، وتبقى في البيوت حكايات لم تجد طريقها إلى ملفات المؤسسات. وعندها، قد يجلس المسؤول في منزله يفكر في الملفات التي تنتظره غدًا، ويجلس المواطن في منزله يفكر في الغد نفسه.
كلاهما ينتظر الصباح، ولكن كلٌّ منهما ينتظر شيئًا مختلفًا.
المسؤول ينتظر أن تنجح القرارات في مواجهة واقع معقد، والمواطن ينتظر أن يرى أثر تلك القرارات في واقعه البسيط.
وبين الانتظارين تتشكل حقيقة التنمية.
التنمية ليست طرقًا ومباني وأرقامًا فحسب؛ إنها أيضًا شعور الإنسان بأن وطنه يمشي معه، وأن القرارات الكبرى تجد طريقها إلى تفاصيل حياته الصغيرة.
ولذلك، فإن أجمل القرارات ليست بالضرورة أكثرها ضجيجًا، وإنما أكثرها قدرةً على أن تجعل مواطنًا عاديًا، في ذات مساء، ينظر إلى بيته وأسرته، ثم يقول في نفسه: غدًا سيكون أفضل. تلك الجملة البسيطة قد تكون، في ميزان الدولة والمجتمع، أعظم مؤشرات النجاح؛ لأن الوطن الذي يمنح مواطنه أملًا صادقًا لا يحتاج إلى كثير من الكلمات.
وفي نهاية كل مساء، تبقى الحقيقة هادئة كضوءٍ بعيد: المواطن لا يطلب من المسؤول أن يصنع له حياةً بلا تحديات؛ وإنما يطلب منه ألا ينسى، وسط تحديات القرار، أن هناك إنسانًا ينتظر أثر ذلك القرار.
وهنا تحديدًا، بين مكتبٍ ينطفئ نوره، وبيتٍ يبقى مصباحه مشتعلًا، تبدأ الحكاية الحقيقية للحكمة المرتقبة.
ذات مساء... كان الجميع ينتظر الغد؛ لكن الفرق أن بعضهم كان ينتظر قرارًا، وبعضهم كان ينتظر حياةً.
