الرستاق- خالد بن سالم السيابي
تحولت المدارس العمانية إلى بيئة يمكن أن يتعلم فيها الطالب كيف يلاحظ المشكلة ويبحث عن الحل، ويختبر الفكرة، ويحسب التكلفة ويدرس السوق ويعرض المنتج، ويتعامل مع التغذية الراجعة، ثم يدافع عن مشروعه أمام محكّمين وخبراء.
ومن هذه الزاوية برزت تجربة الشركة الطلابية «محلول» في مدرسة سحبان وائل (10–12) بمحافظة جنوب الباطنة التي جمعت بين التعليم التطبيقي والابتكار وريادة الأعمال، وانتهت بوصول الفريق إلى منصة التتويج الوطنية.
وحصلت الشركة الطلابية (محلول) على جائزة أفضل منتج مبتكر لعام 2026م على مستوى سلطنة عُمان، ضمن برنامج ومسابقة (الشركة) الذي تنفذه مؤسسة إنجاز عُمان، بإشراف المعلمين عبدالله بن جميل بن طناف الخميسي وسعيد بن مسعود بن محمد المطروشي، ومشاركة الطلبة شهاب بن حمد بن صالح الحكماني، والمنذر بن عبدالله بن خميس الطارشي، وسلطان بن يحيى بن سالم الخضوري. حيث مرَّ التقييم النهائي للشركات المدرسية بثلاثة مسارات أساسية: تقييم المعرض المصاحب، ثم تقييم العرض المرئي، ثم مقابلة لجنة التحكيم.
بيئة حاضنة للابتكار
لا يمكن قراءة إنجاز «محلول» بعيداً عن البيئة المدرسية التي احتضنت الفكرة؛ فمدرسة سحبان وائل تظهر اهتماماً بالابتكار والبحث العلمي وريادة الأعمال، كذلك نشاطاً في المجالات العلمية والتوجيه المهني والتقني.
وتعمل هذه البيئة المتنوعة في بناء شخصية الطالب القادرة على الربط بين المعرفة العلمية والمهارات العملية والتواصل والعرض والابتكار والإنتاج.
ومن هنا وبتكاتف عدة جهات بين تعليمية جنوب الباطنة والمدرسة والشركة المنفذة والشركة الداعمة استطاع الفريق إنتاج خيوط الطباعة ثلاثية الأبعاد من مادة (ليف النخيل) الطبيعي وإعادة تدويره بعد خلطه بمخلفات وبقايا المواد المستخدمة في الطباعة ثلاثية الأبعاد. وبذلك حصل المشروع على جائزة أفضل منتج مبتكر.
دعم المدرسة
ويؤكد خلفان بن ثاني بن سعيد المخزومي مدير مدرسة سحبان وائل (10-12): "ننظر إلى هذا الإنجاز باعتباره إنجازاً للطلبة وللمدرسة ولتعليمية جنوب الباطنة، وهو تأكيد على أهمية توفير بيئة مدرسية تسمح للطالب بأن يجرب ويبتكر ويتعلم ويطور فكرته. نحن فخورون بما قدمه فريق شركة محلول، ونقدر جهود المشرفين والطلبة وكل من أسهم في دعمهم، كما نؤمن بأن دور المدرسة لا يقتصر على التحصيل الأكاديمي، بل يمتد إلى بناء شخصية الطالب وإكسابه مهارات يحتاج إليها في سوق العمل والحياة. ونأمل أن يكون هذا التتويج دافعاً لبقية طلبة المدرسة لتقديم أفكارهم ومبادراتهم، وأن تتحول الجائزة إلى بداية لمسار أطول في تطوير المنتج، وبناء علاقات مع الجهات المختصة، والاستفادة من الخبرات التي يوفرها برنامج إنجاز عُمان. كما أن المدرسة ستواصل دعم الابتكار والبحث العلمي وريادة الأعمال بما يتوافق مع التوجهات الحديثة في التعليم وفق رؤية عمان 2040".
إنجاز عمان
وتُنفذ مؤسسة إنجاز عُمان برنامج ومسابقة (الشركة) باعتبارها تجربة عملية تتيح لطلبة المدارس والجامعات والكليات تأسيس شركات طلابية وتنظيمها وتشغيلها في إطار إرشادي وتدريبي.
وقد شهد البرنامج للعام الأكاديمي 2025–2026م مشاركة أكثر من 350 شركة طلابية، وتأهلت 22 شركة إلى المرحلة النهائية من فئتي المدارس والجامعات والكليات، للتنافس على جوائز أفضل شركة طلابية، وأفضل منتج مبتكر، وأفضل منتج مستدام، إضافة إلى أفضل إعلان مرئي.
وأسفرت النتائج عن فوز شركة (محلول) بجائزة أفضل منتج مبتكر، و(شومة) بجائزة أفضل شركة طلابية لفئة المدارس، و«Heat Harvest» بجائزة أفضل منتج مستدام. بينما توزعت جوائز فئة الجامعات والكليات على شركات أخرى. وهذه الأرقام تعطي صورة واضحة عن حجم المنافسة التي واجهتها (محلول).
بلامور.. شريك التجربة الريادية
وترتبط جائزة فئة المدارس في برنامج الشركة بشراكة ممتدة بين عدة شركات أخرى تقوم بدعم أو تمويل المشاريع الطلابية، حيث إن برنامج الشركة يمنح طلبة المدارس والجامعات فرصة تأسيس شركات وإدارتها وتشغيلها، مع التعلم من العمليات التجارية الواقعية والتحديات والفوائد المرتبطة بريادة الأعمال، ويرتبط الهدف بتنمية الثقافة المالية وتمكين الشباب من تحويل الأفكار المبتكرة إلى مشروعات ملموسة وإمكانية التدريب والإرشاد والتطوع المؤسسي والتجارب العملية أحيانا.
كما تقوم شركة بلامور (plamore) لإنتاج الفلمنت بدعم شركة محلول بمدرسة سحبان وائل الفائزة بجائزة أفضل منتج مبتكر. وتمتلك شركة بلامور مصنعا لإنتاج الفلمنت وطابعات ثلاثية الأبعاد ومشاريع 3D في منطقة سندان الصناعية بجنوب الباطنة.
وأوضح ثني بن راشد بن ثني الخضوري رئيس قسم التوجيه والمقاييس المهنية بدائرة التوجيه المهني والإرشاد الطلابي بتعليمية جنوب الباطنة: "تتصل تجربة (محلول) بالسياق الأوسع الذي تعمل فيه تعليمية جنوب الباطنة على تعزيز التوجيه المهني وربط تعلم الطلبة بالمهارات المستقبلية. وبيّن أهمية المبادرات والمعارض الطلابية في نشر ثقافة ريادة الأعمال، وفتح النوافذ التسويقية للشركات الطلابية، وإتاحة فرص الالتقاء برواد الأعمال وتبادل الأفكار. حيث تمثل تجربة الشركات الطلابية نموذجاً للتعلم من خلال المشروع، وتكتسب الطالب مهارات علمية وعملية. ويعكس فوز شركة محلول بجائزة أفضل منتج مبتكر على مستوى السلطنة – فئة المدارس قدرة طلبة مدارس المحافظة على المنافسة عندما تتوفر لهم البيئة المناسبة والتدريب والإشراف".
ممارسة تطبيقية
من جهته، يؤكد المشرف على الشركة الطلابية (محلول) عبدالله بن جميل بن طناف الخميسي: "كانت تجربة الشركة الطلابية بالنسبة لنا فرصة لتحويل التعلم من فكرة نظرية إلى ممارسة تطبيقية. فقد ركزنا منذ بداية العمل على أن يتعلم الطلبة كيف يدرسون الفكرة ويختبرونها ويعرضونها، وأن يدركوا أن نجاح أي منتج لا يعتمد على الفكرة وحدها، وإنما على فهم الحاجة، وجودة التنفيذ، والقدرة على تقديم المنتج بصورة مقنعة. وكانت مراحل التدريب والاستعداد للتقييم فرصة للطلبة كي يطوروا مهاراتهم في الحوار والعرض والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية. وأضاف سعيد بن مسعود بن محمد المطروشي من المشرفين على الشركة بالمدرسة: أهم ما اكتسبه الطلبة أنهم أصبحوا أكثر قدرة على الدفاع عن فكرتهم وتقبل الملاحظات وإعادة النظر في بعض التفاصيل. وقد حرصنا أن يكون الدور إشرافياً وتوجيهياً، وأن تكون القرارات الأساسية نابعة من الفريق نفسه؛ لأن الهدف الحقيقي من البرنامج هو أن يتعلم الطالب من التجربة وأن يشعر بملكيته للمشروع. أما الجائزة فتمثل ثمرة جميلة لهذا الجهد، لكنها في الوقت نفسه مسؤولية جديدة تدفعنا إلى تطوير المنتج والاستفادة من الملاحظات التي تلقيناها".
فريق واحد
ويقول الطالب شهاب بن حمد بن صالح الحكماني أحد أعضاء فريق الشركة الطلابية: "كانت المشاركة تجربة مختلفة عن الأنشطة التقليدية؛ فقد تعلمنا عرض الفكرة والإجابة عن الأسئلة، والعمل كفريق واحد، والتعامل مع الوقت والمهام، وأن الوصول إلى الجائزة جعلنا نشعر بأن الجهد الذي بذلناه طوال الفترة الماضية كان له أثر، وفي الوقت نفسه زاد رغبتنا في تطوير المنتج وعدم التوقف عند لحظة الفوز".
ويشاركه الطالب المنذر بن عبدالله بن خميس الطارشي القول: "مما تعلمناه أن الابتكار يحتاج إلى تجربة مستمرة ومراجعة دائمة، فقد كنا نناقش التفاصيل ونتبادل الملاحظات ونستفيد من التوجيه والتدريب. وأن المشاركة جعلتنا ننظر إلى المستفيد والسوق والتكلفة وطريقة العرض".
وذكر الطالب سلطان بن يحيى بن سالم الخضوري: "تعلمنا أن العمل الجماعي هو أحد أهم عناصر النجاح في الشركة الطلابية. كما تعلمنا مهارات التواصل والثقة بالنفس والعرض أمام الآخرين. الوصول إلى المنافسة الوطنية ثم الحصول على جائزة أفضل منتج مبتكر كان لحظة مميزة بالنسبة لنا، ونأمل أن نستفيد من هذه الخبرة في دراستنا وحياتنا العملية مستقبلاً".
وتبرز أهمية التجربة في إعداد الطلبة للانتقال من المدرسة إلى التعليم العالي وسوق العمل؛ فبرنامج إنجاز عُمان لا يقدم معلومات عن ريادة الأعمال بصورة نظرية فقط، بل يضع الطالب في تجربة تحاكي الشركة الحقيقية من حيث توزيع الأدوار والتخطيط والتسويق والإدارة المالية.
كما أن مشاركة القطاع الخاص في التدريب والدعم تتيح للطلبة الاحتكاك بوجهات نظر مهنية مختلفة، وتوسع تصورهم عن طبيعة العمل خارج البيئة المدرسية.
ومن الناحية الاقتصادية تتسق مثل هذه البرامج مع التوجه نحو تنويع الاقتصاد وتشجيع الابتكار وعمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة لا سيما الاستفادة من الأدوات الرقمية والتقنيات الحديثة.



