المهندس عبدالحكيم عامر بيت سعيد.. رفيق درب في تضاريس ظفار

 

 

 

أحمد مسلم سوحلي جعبوب

في رحلات البحث الميداني عن النباتات البرية في ظفار، لا تكفي المعرفة النظرية وحدها، فالوصول إلى النباتات النادرة يتطلب معرفة بالمكان، وقدرة على قراءة تضاريسه، وصبرًا على المشي في المنحدرات والجبال والأودية، وملاحظة التفاصيل الصغيرة التي قد تقود إلى نبات نادر أو سجل مهم.

ومنذ أن بدأتُ العمل في توصيف النباتات البرية والرصد والاستكشاف الميداني والاهتمام بنوادر نباتات ظفار، كان المهندس عبدالحكيم بيت سعيد رفيقًا حاضرًا في كثير من هذه الرحلات، وشخصية بارزة عُرفت باهتمامها وشغفها بالنباتات البرية في ظفار.

المهندس عبدالحكيم ليس مجرد رفيق في الرحلات، بل هو من الأشخاص الذين تحوّل اهتمامهم بالنباتات البرية إلى ممارسة ميدانية مستمرة؛ فكثيرًا ما يخصص جزءًا كبيرًا من إجازته السنوية وعطلات نهاية الأسبوع للخروج إلى الجبال والأودية والمواقع الطبيعية، بحثًا عن النباتات ومتابعة مواسم ظهورها وتوزعها في البيئات المختلفة.

وفي العمل الميداني، تكمن أهمية هذا الشغف في الاستمرارية، فالنباتات البرية لا تظهر دائمًا في المكان والوقت نفسيهما، وبعض الأنواع لا يمكن الوصول إليها أو ملاحظتها إلا خلال فترة محددة من السنة، ولذلك فإن تكرار الزيارات للمواقع ومتابعة النباتات في مواسم مختلفة يوفر معرفة ميدانية تراكمية لا تُكتسب بسهولة.

وقد اعتمدتُ عليه كثيرًا في التوصيف والرصد الميداني للنباتات البرية، سواء في الوصول إلى المواقع، أو ملاحظة النباتات في بيئاتها الطبيعية، أو مقارنة صفاتها ميدانيًا، أو متابعة الأنواع النادرة التي تستحق مزيدًا من البحث والتحقق.

والعمل في ميدان النباتات البرية في ظفار يضع الباحث أمام طبيعة متنوعة، من الجروف الصخرية والمنحدرات الجبلية إلى الأودية والمناطق الساحلية والبيئات المتأثرة بموسم الخريف، وفي كل رحلة قد تظهر ملاحظة جديدة، أو نوع لم يكن متوقعًا، أو مجموعة نباتية تستحق التوقف عندها ودراستها بصورة أدق.

وما يميز عبدالحكيم أيضًا أنه لا يتعامل مع الرحلات البرية باعتبارها نزهات عابرة، فالرحلة بالنسبة إليه فرصة للبحث والملاحظة والتعلم، وقد أصبح مع مرور الوقت يمتلك معرفة ميدانية جيدة ببيئات ظفار ونباتاتها، وبالمواقع التي تستحق العودة إليها في مواسم مختلفة.

لقد جمعتنا رحلات كثيرة في دروب ظفار، وكان الهدف في كل مرة يتجاوز مجرد العثور على نبات، فالمقصود هو رؤية النبات في موطنه الطبيعي، وفهم البيئة التي ينمو فيها، وملاحظة صفاته، ومقارنة ما يظهر ميدانيًا بما هو معروف في المصادر العلمية

إن توثيق التنوع النباتي في ظفار يحتاج إلى جهود ميدانية متواصلة، وإلى أشخاص لديهم شغف حقيقي بالطبيعة ومستعدون لقضاء ساعات طويلة في الجبال والأودية بحثًا عن نبات قد لا يلفت انتباه معظم الناس.

ومن هذا الجانب، أجد أن المهندس عبدالحكيم بيت سعيد يمثل نموذجًا للشخصية التي تحولت علاقتها بالنباتات البرية من مجرد اهتمام إلى شغف وممارسة ميدانية مستمرة

وبالنسبة لي، فإن وجود رفيق يشاركك الاهتمام نفسه في الرحلات الميدانية يمثل قيمة كبيرة، فالبحث عن النباتات النادرة في ظفار رحلة تحتاج إلى الصبر والملاحظة والتعاون، وعبدالحكيم كان ولا يزال أحد أبرز رفاق هذه الرحلة، منذ بدايات عملي في توصيف النباتات البرية ورصدها واستكشافها.

ظفار غنية بنباتاتها، لكن معرفة هذه النباتات تبدأ من الميدان، من الجبل والوادي والصخرة والمنحدر، ومن أولئك الذين يختارون أن يقضوا أوقاتهم في تتبعها واكتشاف أسرارها.

إن هذا العمل الميداني الذي يقوم به عبدالحكيم يستحق الاهتمام والتقدير والتشجيع، لأنه يمثل صورة جميلة من صور العطاء الذي يُقدَّم للوطن دون انتظار مقابل، ويسهم في معرفة ثرواته الطبيعية والحفاظ عليها وإبراز قيمتها للأجيال القادمة.

خدمة الوطن لا تكون دائمًا من خلال الأعمال الرسمية أو المؤسساتية، بل قد تبدأ من مبادرة فردية، ومن شغف صادق، ومن وقت وجهد يقدمه الإنسان في سبيل خدمة المكان الذي ينتمي إليه. وهذا النوع من العمل التطوعي والمعرفي يمثل واجبًا أخلاقيًا تجاه الوطن والطبيعة والإنسان، بل تجاه العالم بأسره، لأن المحافظة على التنوع الطبيعي مسؤولية مشتركة تتجاوز الحدود.

صور داخل المقال (5).jpeg
صور داخل المقال (3).jpeg
صور داخل المقال (4).jpeg
صور داخل المقال (2).jpeg
صور داخل المقال (1).jpeg
 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z