مسقط- الرؤية
نظمت وزارة الثقافة والرياضة والشباب ممثلة بالمنتدى الأدبي ودائرة مصادر المعلومات الحضارية، ندوة علمية متخصصة بعنوان "قراءات حول العملات والمسكوكات في الحضارة العُمانية"، وذلك بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس الأكبر، وتحت رعاية المكرم الأستاذ الدكتور محمد بن ناصر بن علي الصقري، عضو مجلس الدولة.
وتأتي هذه الندوة الفكرية لتؤكد أنَّ المسكوكات النقدية ليست مجرد أدوات للتبادل المالي، بل هي وثائق سيادية راسخة وشواهد مادية تُترجم مراحل تحول الدولة وتطور علاقاتها بين الحضارات عبر العصور، مساهمة بذلك في إثراء المعرفة التاريخية وتعزيز ثوابت الهوية الوطنية المنسجمة مع المستهدفات الثقافية لرؤية "عُمان 2040".
وسلطت الندوة الضوء على 5 دراسات أثرية وبحثية استثنائية تناولت التحولات السياسية والاقتصادية على امتداد التاريخ؛ حيث استهل الدكتور إبراهيم بن أحمد الفضلي الأوراق العلمية بدراسة دقيقة تناولت نقود القرامطة المضروبة في عُمان بين عامي 354 و362 هجرية، معرجاً على البعد التاريخي لسيطرة القرامطة وتوسعاتهم في المنطقة، ومحللاً الدلالات والنقوش والمضامين التي حُفرت على تلك القطع النقدية لتفكيك شفرات الصراعات السياسية والأحداث الاستثنائية التي شهدتها المنطقة في تلك الفترة.
كما قدم الباحث جمال بن محمد الكندي دراسة حول "فلس الإمام العدل التائب إلى الله"، موضحاً التسلسل التاريخي للأسر الحاكمة والدول التي تعاقبت على عُمان منذ صدر الإسلام وحتى القرن السادس الهجري، ومبرزاً القيمة العلمية الفريدة لهذه القطعة النقدية التي تُعرض لأول مرة وتكشف عن أسماء أئمة عُمانيين عقدت لهم البيعة ولم ترد أسماؤهم في المصادر التاريخية التقليدية من قبل.
وعلى صعيد الانتقال الهيكلي نحو الدولة الحديثة، قدم الباحث عبد العزيز بن علي الخروصي قراءة تحليليّة تتبعت مسار التحول من العملة المعدنية إلى العملة الورقية في سلطنة عُمان خلال الفترة الممتدة من عام 1893 إلى 1974م، حيث سلط الضوء على محطة سك عملة "الربع" في عهد السلطان فيصل بن تركي، وصولاً إلى مرحلة السيادة النقدية المكتملة بإصدار الريال العُماني وتأسيس البنك المركزي، مما يعكس انتقال السلطة المالية من الممارسة الرمزية إلى المؤسسية المتكاملة.
ولم تُغفل الندوة الكنوز الأثرية المطمورة، إذ اصطحب الباحث هلال بن عامر القاسمي الحضور في رحلة استكشافية حول كنز "سناو" الأثري المكتشف عام 1979م داخل إناء فخاري يحوي 962 درهماً فضياً، مستعرضاً الأبعاد الأثرية والجغرافية لهذا الكنز الذي يمتد زمنياً من العصر الساساني حتى العصر العباسي، وما يحمله من أسماء للخلفاء والولاة، ليكون بمثابة وثيقة اقتصادية تؤكد محورية عُمان في شبكة التجارة العالمية الممتدة من إسبانيا ومصر وسوريا وصولاً إلى أطراف الجزيرة العربية.
واختتم الباحث خالد بن ناصر الطيواني الجلسات البحثية بورقة استعرضت القيمة الاقتصادية والنقدية لدولار "ماريا تريزا" والمعروف محلياً بالريال النمساوي أو الفرنسي، مبيناً خصائصه الفنية ونقاوة فضته وثبات قيمته التي جعلت منه العملة الأكثر قبولاً في أسواق الخليج والشرق الإفريقي لتسديد الضرائب والجمهور وتسهيل التبادلات، وكيف شكل هذا الاعتماد النمطي مرحلة انتقالية مهدت لتأسيس الأنظمة النقدية والمصرفية الحديثة في سلطنة عُمان.
أدارت الندوة زكية بنت سيف المعمرية، وتخللها معرض مصاحب ضم نماذج أصلية ونادرة من المسكوكات والعملات التاريخية، أتاحت للحضور والمختصين معايشة الواقع التاريخي والتأمل في تفاصيل المنجز الحضاري النقدي الذي سطره العُمانيون عبر القرون.
