حلول للأمن الديموغرافي الوطني

 

 

علي بن حبيب اللواتي

 

عندما كان جدي لديه 10 إخوة، وأبي 6 إخوة، وأنا أقل، فمن المحتمل أن لا يجد ابني أخًا واحدًا يسنده.

هذه ليست مبالغة، بل حقيقة رقمية؛ فقد انخفض معدل المواليد الجدد في عُمان من 27.3 لكل ألف عُماني عام 2021 إلى 20.8 عام 2025 حسب المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، ووصل إلى 21.2 فقط عام 2024 مقارنة مع 22.0 عام 2023 بانخفاض 2% في سنة واحدة.

وهذا ليس تحولا اجتماعيا، بل هو دخول رسمي في "مصيدة الخصوبة المنخفضة".

أولا: لماذا تعتبر هذه قضية أمن قومي؟

ببساطة، لأنَّ عُماننا الحبيبة مساحتها 309.5 ألف كم2 وعدد مواطنيها 3 ملايين و34 ألفاً فقط من إجمالي 5.3 مليون نسمة حسب إحصائية نوفمبر 2025، أي أننا 3 ملايين فقط نعمر هذه الأرض الشاسعة.

إنَّ جمهورية كوريا الجنوبية وصلت اليوم لمعدل 0.72 وهو الأدنى في تاريخ البشرية، فأغلقت 200 مدرسة العام الماضي ولا تجد مُجندين لجيشها، وكذلك اليابان بمعدل 1.21 تواجه نفس الخطر.

وكل ولاية حدودية في مسندم والوسطى وظفار والبريمي لتحتاج عزوة تحميها وتزرعها بعد ثلاثين سنة، وإذا بقينا على معدل 1.4، ففي عام 2050 سيكون عندنا متقاعد واحد مقابل كل موظف عامل واحد فقط، حينها صندوق التقاعد سينهار.

ثانيا: التجارب العالمية وكيف نطورها عُمانيًا

- جمهورية المجر: أنجح نموذج رغم تراجعه

كان معدل الخصوبة في المجر 1.23 عام 2011 وهو الأدنى في تاريخها. فأطلقت قرض الأسرة (Babavaro) بقيمة 10 ملايين فورِنت (30 ألف دولار) بلا فوائد، إذا أنجبت الأسرة طفلها الأول فيتوقف السداد 3 سنوات، والطفل الثاني يُسقط 30% من القرض، والطفل الثالث يسقط 100% ويتحول إلى منحة. ومع برنامج CSOK استفادت 233 ألف أسرة بمنحة سكنية مباشرة. فارتفع المعدل إلى 1.61 عام 2021 ثم تراجع إلى 1.39 عام 2024. المجر تنفق 4% من ناتجها المحلي على الأسرة وهو الأعلى في العالم.

ويمكن تطوير هذه الفكرة في عُمان بمسمى قرض "بركة"، بقيمة 20 ألف ريال بلا فوائد، لا يبدأ سداده إلا بعد سنة من الزواج، يُسقط 7 آلاف عند الطفل الثاني، و13 ألفًا عند الثالث ليتحول لمنحة مجانية. وإدخال الأسرة في المسار السريع لأرض سكنية مشروطة بالبناء وعدم البيع لكل من يصل لثلاثة أطفال، ويستلم أرضه خلال 4 أشهر مع قرض بناء بقيمة 60 ألف ريال بفائدة صفر.

- الجمهورية الفرنسية: سر البقاء عند 1.8

حافظت فرنسا على معدل إنجاب 1.8 حتى 2023 بينما استقرت ألمانيا وإيطاليا عند 1.4، من خلال نظام حضانات Creche الذي يضمن مكاناً لكل طفل من عمر شهرين بتكلفة 10% من دخل الأم، مع إجازة أمومة 16 أسبوعًا مدفوعة بالكامل.

وفي عُمان، يكمن إلزام كل جهة فيها أكثر من 50 موظفة عُمانية بتوفير حضانة داخل المبنى أو التعاقد مع حضانة مرخصة على حسابها، ورفع إجازة الأمومة إلى 120 يومًا مدفوعة بالكامل مع 6 أشهر اختيارية بـ70% من الراتب، تُحتسب كلها خدمة للترقية والتقاعد، مع حق الأم بالدوام المرن 4 ساعات يوميًا حتى يبلغ الطفل سنته الرابعة.

- مملكة السويد: الأب إذا شارك تنجب الأسرة أكثر

480 يوماً إجازة والدية، 90 يومًا منها إجبارية للأب. وقد أثبتت الأبحاث أن الأسرة التي يأخذ فيها الأب شهرًا إجازة يرتفع احتمال إنجابها طفلًا ثانيًا بنسبة 15%.

تطويرها لعُمان: إجازة أُبوة 30 يومًا مدفوعة إجبارية عند الولادة + 30 يومًا اختيارية بـ70% من الراتب خلال السنة الأولى.

- جمهورية كوريا الجنوبية: فشل 200 مليار دولار

أنفقت كوريا أكثر من 200 مليار دولار منذ 2006، وانخفض معدل المواليد من 1.2 عام 2010 إلى 0.72 عام 2023 بسبب ثقافة عمل 52 ساعة وتكلفة تعليم باهظة.

للانتفاع من هذا الدرس في عُمان بمحركين:

راتب الأم المربية المتدرج: 500 ريال عند 3 أطفال، 700 عند 4، و1000 ريال عند 5 فأكثر.

علاوة الإنجاب 150 ريالاً عن كل طفل توضع في راتب الأب وتدخل في حساب التقاعد. مثال: موظف راتبه 800 وعنده 4 أطفال يصبح 1400 ريال.

قسيمة التعليم: 300 ريال للطفل الثاني فما فوق في الخاص، أو مقعد مضمون في الحكومية النموذجية.

ثالثا: الصحة في كل المحافظات

تكلفة أطفال الأنابيب في الخاص 2000 ريال تقريبا. ولذلك علينا أن نُنشئ شبكة وطنية تضم مركزين رئيسيين في مسقط وصلالة، ووِحدة مصغرة في كل ولاية كصحار ونزوى وصور وعبري والبريمي وهيماء وغيرها، مع 3 محاولات مجاناً لكل أسرة. وإلزام المستشفيات بنشر نسب القيصرية التي تجاوزت 24.4% حسب وزارة الصحة عام 2021 وترتفع كثيرا في بعض الخاص، بينما توصي منظمة الصحة العالمية ألا تتجاوز 15%.

رابعا: التمويل المستدام- صندوق بركة السيادي للأسرة.

نموذج تمويل مختلط 50/50:

50% تتحملها الحكومة كالتزام سيادي مباشر من الميزانية العامة للدولة.

50% من مصادر مستدامة: 1% من ضريبة الشركات الكبرى + جزء من رسوم تصاريح العمل للوافد + 2% من أرباح شركات النفط. تذهب مباشرة للصندوق وتصرف بقانون في 4 بنود فقط لا غير: راتب الأم المربية، علاوة 150 ريالًا، قسيمة التعليم 300 ريال، ودعم أطفال الأنابيب.

أما التكلفة، فيترك تقديرها الدقيق لوزارة المالية، وهي بلا شك أقل بكثير من كلفة انهيار صندوق التقاعد والإنفاق على علاج شيخوخة مجتمع بلا شباب.

خامسا: الثقافة قبل الشيك - حملة "العزوة عز"

كوريا فشلت لأن إعلامها ظل يصور الأسرة الكبيرة عبئًا. لذلك نحتاج حملة وطنية مستمرة طوال العام حتى تحقيق هدف 2.1 عام 2035 وليست موسمية: وزارة الإعلام تنتج مسلسلات تظهر الأسرة الكبيرة نعمة، وزارة الأوقاف تخصص خطب جمعة عن النسل، وتكريم سنوي برعاية السيدة الجليلة لكل أم أنجبت 4 أطفال فأكثر، لأن صرف المال بدون زرع ثقافة لن ينجح.

سادسا: الأم هي صاحبة القرار- تمكين جمعيات المرأة وصحة الأم:

1- جمعيات المرأة العُمانية في كل ولاية (المحرك الميداني): تنظم ملتقى "العزوة عز" شهريا للأمهات لتبادل الخبرة وكسر ثقافة الخوف من 4 أطفال، وهي من ترشح أسماء الأمهات المستحقات للتكريم السنوي برعاية السيدة الجليلة لكل أم أنجبت 4 فأكثر.

2- قسم صحة المرأة والطفل في المستشفيات (المحرك الطبي): إنشاء عيادة "الخصوبة والأمومة الآمنة" في كل مستشفى، مهمتها متابعة الأم نفسيا وصحيا بعد الولادة لتشجيعها على الحمل التالي بأمان، وتكون مسؤولة عن برنامج أطفال الأنابيب 3 محاولات مجانا.

3- الربط بينهما: جمعية المرأة تبلغ المستشفى بوجود أم تعاني اكتئاب ما بعد الولادة، والمستشفى يبلغ الجمعية بوجود أم أنجبت الثالث وتستحق الدعم الثقافي والمعنوي. بهذا نحول المشروع من شيكات فقط إلى رعاية متكاملة.

الخطة التنفيذية: من الدفاع السلبي إلى الهجوم الإيجابي

لأكثر من عشر سنوات ونحن نتعامل مع الملف بعقلية الدفاع السلبي: كيف نقلل الضغط على المدارس والمستشفيات والإسكان، نتيجة هذا التفكير هو الذي أوصلنا من 27.3 إلى 20.8.

اليوم يجب أن نتحول إلى الهجوم الإيجابي الفعال: كيف نزيد عدد المواطنين النوعي المنتج ليحمي الأرض ويعمرها ويدفع التقاعد.

كل هذه الخطط ستموت في الأدراج بدون جهة واحدة مسؤولة، لذلك نقترح إنشاء المجلس الوطني للتوازن الديموغرافي برئاسة صاحب السمو نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية ليكون المظلة التخطيطية العليا، وتكون كوكبة الوزارات الخدمية هي الذراع التنفيذي له، بحيث يضع المجلس السياسات ومؤشره الوحيد هل وصلنا إلى 2.1 عام 2035، وتقوم الوزارات بالتنفيذ الميداني، ويقدم المجلس تقريرا سنويا لجلالة السلطان المفدى.

حتى لو أخذت الحكومة 50% فقط من هذه المنظومة (راتب الأم وعلاوة 150 ريالًا وإجازة 120 يومًا)؛ فهي كفيلة بتحويل عقلية الدولة من الدفاع السلبي إلى الهجوم الإيجابي الذي يواجه أخطر تحدي وطني قبل أن يصبح عصيًا على الحل.

الأكثر قراءة

z