◄ كيف تضيف القمة الصينية الأمريكية الاستقرار إلى عالم مضطرب؟!
تشو شيوان **
اختُتِمَتْ القمة الصينية الأمريكية في واشنطن خلال الأيام الماضية، لكن تأثيرها لن يتوقف عند حدود العاصمة الأمريكية؛ حيث توصل الجانبان إلى 8 توافقات، إلى جانب التأكيد مُجددًا على إقامة علاقات صينية أمريكية بنّاءة تتسم بالاستقرار الاستراتيجي وعلى أساس الاحترام والإنصاف والمُعاملة بالمثل. ومن المشاورات الاقتصادية والتجارية إلى الذكاء الاصطناعي، ومن القضايا الدولية والإقليمية إلى التعاون في مكافحة المخدرات والتبادلات الشعبية، وصولًا إلى التواصل بين الجيشين في حالات الأزمات، يبدو أن الصين والولايات المتحدة تسعيان إلى بناء مزيد من الآليات التي تُساعد على إدارة الخلافات، وخفض المخاطر، وتوسيع مساحة التعاون.
وبالنسبة إلى العالم العربي؛ فهذه ليست دبلوماسية بين قوتين كبريين تجري بعيدًا عنه على الضفة الأخرى من المحيط الهادئ؛ ففي عالم اليوم، يمكن لأي تقلب في العلاقات الصينية الأمريكية أن ينتقل إلى مناطق أخرى عبر التجارة والطاقة والتمويل والتكنولوجيا والأمن. وفي الشرق الأوسط على وجه الخصوص، لمست شعوب المنطقة بصورة مباشرة خلال السنوات الأخيرة الآثار الممتدة للحروب واضطرابات الملاحة وتقلبات أسواق الطاقة. ولذلك فإنَّ فهم التوافقات الثمانية لا يتوقف فقط عند عدد النتائج المحددة التي توصل إليها الجانبان، بل الأهم هو إدراك تحول أعمق: الصين والولايات المتحدة تحاولان وضع حدود للمنافسة، وإقامة حواجز أمان للخلافات، والإبقاء على مساحة للتعاون.
ولا يمكن أن تخلو العلاقات بين قوتين كبيرتين من المنافسة، كما لا يمكن أن تتطابق مواقفهما إزاء جميع القضايا. والأهم هو أنه عندما تظهر الخلافات، هل تظل هناك قنوات للتواصل؟ وعندما تتصاعد الاحتكاكات، هل توجد آليات لخفض التوتر؟ وعندما تتقاطع المصالح، هل يبقى الطرفان مستعدين للجلوس معًا والبحث عن إمكانات التعاون؟ ومن هذه الزاوية، تكتسب الترتيبات المؤسسية المتزايدة الواردة في التوافقات الثمانية أهمية خاصة: فالقضايا الاقتصادية والتجارية ستظل تُعالج عبر آليات التشاور، واتفق الجانبان على إقامة حوار بشأن الذكاء الاصطناعي وقنوات اتصال للحوادث المرتبطة به، كما سيتجه الجيشان إلى تعزيز التواصل والوقاية من الأزمات. والمنطق الكامن وراء ذلك ليس معقدًا: عندما توجد مشكلة، تُناقش المشكلة؛ وعندما يوجد خطر، تتم إدارة الخطر؛ وعندما توجد مساحة للتعاون، يتم توسيعها على قدر الاستطاعة. قد تكون المنافسة قائمة، لكنها تحتاج إلى حدود؛ وقد تكون الخلافات أمرًا يصعب تجنبه، لكنها لا ينبغي أن تتسع بلا حدود لتشمل مختلف جوانب العلاقات.
وهذا الأمر يكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى العالم العربي؛ فمن بين التوافقات الثمانية ما يرتبط مباشرة بقضايا الشرق الأوسط، ومنها الملف النووي الإيراني والممرات المائية الدولية. فمن مضيق هرمز إلى باب المندب، وصولًا إلى قناة السويس، تربط منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، كما تقع في قلب شبكة الطاقة والتجارة العالمية. وبالنسبة إلى دول المنطقة، فإنَّ بقاء الممرات المائية مفتوحة واستقرار أسواق الطاقة وإمكانية احتواء التوترات الإقليمية ليست قضايا جيوسياسية مجردة، بل هي قضايا تنمية ومعيشة أيضًا. وما يحتاجه العالم العربي ليس انتقال المنافسة بين القوى الكبرى إلى المنطقة واتساعها فيها، بل أن تسهم القوى الرئيسية في الحفاظ على السلام واستمرار انسياب الملاحة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي.
أما الذكاء الاصطناعي، فهو ملف آخر جدير بالاهتمام في هذه القمة. وقد أصبح الذكاء الاصطناعي أحد المحركات المهمة للتحول الاقتصادي وبناء القدرة التنافسية الوطنية. واتفاق الصين والولايات المتحدة على إقامة حوار بشأن الذكاء الاصطناعي وتبادل الآراء حول مخاطره وفوائده يوضح، أنه حتى في ظل المنافسة لا تزال بعض المخاطر التكنولوجية وقضايا الحوكمة تتطلب التواصل. كما يعكس ذلك حقيقة أخرى في عالم اليوم: أمام عدد متزايد من القضايا العابرة للحدود والتحديات العالمية، يصعب على أي دولة أن تجد وحدها جميع الإجابات.
وتضمنت التوافقات الثمانية كذلك نقطتين قد تبدوان أقل ضخامة من الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن، لكنهما تضيفان بُعدًا مختلفًا إلى هذه الدبلوماسية بين قوتين كبيرتين. فقد استعاد الرئيسان ذكرى وقوف الصين والولايات المتحدة كحليفين خلال الحرب العالمية الثانية وقتالهما جنبًا إلى جنب، كما رحَّب الجانب الأمريكي بوصول زوج من الباندا العملاقة ترسلهما الصين إلى حديقة حيوان أتلانتا؛ فالأول يذكّر بأنَّ علاقات القوى الكبرى لا ينبغي أن تُعرَّف فقط بخلافات اللحظة الراهنة، والثاني يوضح أن العلاقات بين الدول لا يمكن أن تقتصر على المنافسة الاستراتيجية. فالتاريخ لا يقدم تلقائيًا إجابات عن أسئلة الحاضر، لكنه يذكّر الناس بألا تسمح خلافات اليوم بأن تحجب تعاون الأمس؛ وإذا لم يبقَ في علاقات القوى الكبرى سوى التنافس، فستصبح أكثر برودة، بينما تظل التبادلات الإنسانية والثقافية نافذة مفتوحة لفهم كل طرف للآخر.
وبطبيعة الحال، لا تعني التوافقات الثمانية أن جميع المشكلات بين الصين والولايات المتحدة قد حُلَّت؛ فالخلافات في المجالات الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والأمنية لا تزال قائمة، وبعض التناقضات يتسم بطابع طويل الأمد. وما سيحدد القيمة الحقيقية لهذه القمة ليس فقط ما تم التوصل إليه؛ بل أيضًا ما إذا كانت هذه التوافقات ستُنفذ بصورة مستمرة في المستقبل. ومع ذلك، فإنَّ هذه القمة تؤكد مرة أخرى على الأقل أن الصين والولايات المتحدة لا تزالان قادرتين على الحوار، وأن هذا الحوار لا يزال ضروريًا.
لقد تحمّل العالم في السنوات الأخيرة قدرًا كبيرًا من الحروب والاضطرابات وعدم اليقين. وبالنسبة إلى المجتمع الدولي، بما فيه الدول العربية، فإن ما يتطلع إليه الناس ليس رؤية قوتين كبيرتين تستنزف إحداهما الأخرى، ولا أن يُقسَّم العالم من جديد إلى معسكرات متقابلة، بل أن تتحمل الصين والولايات المتحدة المسؤولية التي تتناسب مع مكانتهما وتأثيرهما الدوليين.
قد تكون المنافسة بين القوى الكبرى أمرًا يصعب تجنبه، لكن الصراع بينها ليس أمرًا محتومًا. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التوافقات الثمانية: فهي تُظهر للعالم أن مساحة التعاون بين الصين والولايات المتحدة لا تزال قائمة، وأنه لا يزال من الممكن إدارة المنافسة والسيطرة على الخلافات من خلال التواصل. وفي وقت يحتاج فيه العالم أكثر فأكثر إلى اليقين، فإن علاقات صينية أمريكية بناءة تتسم بالاستقرار الإستراتيجي تمثل منفعة عامة يحتاج إليها المجتمع الدولي.
** كاتب وإعلامي صيني
