فاطمة بنت ناصر .. وحكاية كتاب

 

حسين الراوي 

وصلتني مجموعة من الكُتب من العاصمة العمانية مسقط، أرسلتها الأستاذة نادية سالم الشوفي، وكان من بين تلك الكُتب كتابٌ جذب انتباهي أكثر، حيث كان يعلوه عنوانٌ هام، وكُتبت تحته جملة قصيرة تُبيّن محتواه، وعلى غلافه صور زادت من لفت انتباهي له.

في واحدة من القراءات التي لا تأخذ وقتًا طويلًا في عدد صفحاتها، لكنها تبقى عالقة في الذاكرة أكثر مما نتوقع، أنهيتُ كتاب “بيبي ميزون وطبيبتها آن”، للكاتبة فاطمة بنت ناصر، الصادر عن مكتبة قراء المعرفة، الطبعة الثانية.

“كان شرطي الوحيد ألا يتم إعادة طباعة الكتاب قبل أن أبحث عن مادة جديدة أضيفها للطبعة الثانية
وقررت أن يكون جديد الطبعة الثانية هو سفري إلى لندن للقاء الطبيبة وجهًا لوجه. وهذه مغامرة أخرى ستعرفون تفاصيلها في هذا الكتاب”.

ذلك الاقتباس جاء في مقدمة الطبعة الثانية لكتاب “بيبي ميزون وطبيبتها آن”. وبالفعل أضافت المؤلفة مادة مميزة على الطبعة الثانية من الكتاب، جعلته أهم وأجمل، حيث كان فيها لقاء مباشر وجهًا لوجه مع الطبيبة أمينة في لندن، وتفاصيل إضافية لم تُذكر في الطبعة الأولى. وذلك الاقتباس تروي فيه الكاتبة بلمحة خلفية فكرة التأليف، وكيف تحولت من مجرد مقابلة صحفية إلى مشروع كتاب كامل.

الكتاب ليس مجرد سيرة تقليدية، ولا هو عمل توثيقي جاف، بل هو حوار إنساني صادق، تشعر وأنت تقرؤه أنك جالس تستمع لقصة تُروى بهدوء، دون مبالغة أو تصنّع.

فكرة الكتاب بحد ذاتها لافتة: طبيبة إنجليزية تعتنق الإسلام بعد تجربة إنسانية عميقة، لا عبر جدل فكري، ولا عبر نقاشات طويلة، بل من خلال موقف، ومن خلال شخصية عظيمة.

ما شدّني أكثر في الكتاب هو حضور السيدة ميزون بنت أحمد المعشني، والدة السلطان قابوس بن سعيد، ليس فقط كاسم تاريخي أو كشخصية عامة، بل كإنسانة تركت أثرها فيمن حولها. لم تُقدَّم هنا بصورة رسمية أو نمطية، بل ظهرت من خلال تفاصيل صغيرة: كلمة، موقف، نظرة ثقة، وإيمان هادئ لكنه عميق.

تتحدث الطبيبة آن كوكسون – التي أصبحت لاحقًا “أمينة” – عن لحظة فارقة بقيت في ذاكرتها، حين قالت السيدة ميزون، وهي تمر بوعكة صحية خطرة: “الله هو حافظي، وهو الذي يهتم بي”. هذه العبارة، ببساطتها، لم تكن عابرة، بل كانت كفيلة بأن تفتح بابًا داخليًا لدى الطبيبة، لتطرح على نفسها سؤالًا لم تكن قد واجهته من قبل: “لماذا لا أملك هذا اليقين؟”

من هنا يبدأ التحول، ليس بشكل مفاجئ، بل كرحلة داخلية طويلة، تتراكم فيها المشاعر والانطباعات، حتى تصل إلى قرار اعتناق الإسلام.

واللافت أن الكتاب لا يقدّم هذه الرحلة على أنها حدث درامي، بل كمسار إنساني هادئ، طبيعي، ومقنع.

الكتاب نجح في أن يقدّم صورة مختلفة عن العلاقة بين الشرق والغرب؛ لا صراع، ولا أحكام مسبقة، بل تلاقٍ إنساني بسيط، قائم على الاحترام والتأثير المتبادل. كما أنه يضيء جانبًا مهمًا من شخصية السيدة ميزون، من حيث القوة، والهدوء، والإيمان، والقدرة على التأثير دون ادعاء.

الكتاب مملوء بالمعاني النبيلة. وقد ينهيه القارئ في جلسة واحدة، لكن بعض الجُمل التي جاءت فيه تبقى معك لفترة طويلة. وأظن أن قيمته الحقيقية ليست في المعلومات التي يقدّمها فقط، بل في ذلك الشعور الصادق الذي يتركه خلفه.

وفي ختام هذا العمل الإنساني اللافت، لا يسعني إلا أن أتوجّه بالشكر إلى الكاتبة فاطمة بنت ناصر على جهودها في نقل وتوثيق هذه المقابلة مع الطبيبة البريطانية آن كوكسون، وما حملته من عمق إنساني ومعرفي. كما يُقدَّر لها ذلك التحول الجميل في مسار الكتاب، حين لم تكتفِ بالمادة الأولى، بل دفعتها التجربة والشغف إلى تطوير الفكرة من جديد عبر سفرها إلى لندن ولقاء الطبيبة وجهًا لوجه، وهو ما أفضى إلى ولادة الطبعة الثانية بصورة أكثر نضجًا وثراءً، تجمع بين التوثيق الأول والتجربة الميدانية الحيّة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z