نصف الحكاية

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

نمر بين الناس بوجوه هادئة نتحدث ونبتسم وننجز أعمالنا وقد نظهر في كثير من الأحيان أكثر تماسكًا مما نشعر به في الداخل، ففي الحياة هناك أشياء كثيرة تحدث داخل الإنسان ولا يراها أحد ولا يشعر بها سوانا، يعتقد من حولنا أننا بخير لأننا تعلمنا كيف نخفي التعب، وكيف نواصل الطريق حتى في الأيام التي تثقل فيها الخطوات، وكيف نبتسم بينما تخوض أرواحنا معارك طويلة لا يعرف عنها أحد شيئًا، لا أحد يعلم حقًا ما الذي أصابك في السنوات الماضية ولا يعرف تفاصيل معركتك الخاصة مع الحياة، قد يرى الناس شخصًا قويًا، واثقًا، قادرًا على تحمل المسؤوليات، فيظنون أن الطريق أمامه كان سهلًا، وأن صلابته جاءت من فراغ، وقد ينظرون إلى هدوئك باعتباره دليلًا على أنك لا تتألم وإلى ابتسامتك باعتبارها علامة على أن كل شيء يسير كما تريد.

ولا يعلمون أن وراء هذا الهدوء حكايةً أخرى، وأن هناك أحداث ربما زعزعت شعورك بالأمان، ومواقف أخذت منك شيئًا من عفويتك، وأيام أجبرتك على أن تكبر قبل أوانك، ربما كنت في وقت من الأوقات أكثر تلقائية، أكثر ثقة بالآخرين، وأكثر قدرة على النظر إلى الحياة ببساطة، ثم جاءت التجارب واحدة تلو الأخرى، فغيرت طريقة تفكيرك، وجعلتك أكثر حذرًا في علاقاتك، وأكثر انتباهًا للكلمات والمواقف، وأقل استعدادًا لمنح ثقتك بسهولة.

الحياة قاسية أحيانًا بطريقة لا نتوقعها، تضع الإنسان أمام اختبارات متتالية، وتدفعه إلى اكتشاف قدرات لم يكن يعرف أنها موجودة داخله، قد يخسر شخصًا عزيزًا، أو حلمًا انتظره طويلًا، أو علاقة ظن أنها ستبقى، أو فرصة كان يعتقد أنها ستغير حياته، وقد يخوض سنوات من المحاولات والتعثرات دون أن يعرف المحيطون به كم مرة اضطر إلى جمع نفسه والبدء من جديد، كم مرة كافحت وأنت صامت؟

كم مرة خسرت شيئًا كنت تتمناه بشدة، ثم اضطررت إلى متابعة حياتك وكأن شيئًا لم يحدث؟ كم مرة سقطت، ثم نهضت دون أن تجد يدًا تمتد إليك؟ كم مرة بكيت في مكان لا يراك فيه أحد، ثم خرجت إلى الناس بوجه هادئ وكلمات طبيعية؟ تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الإنسان الذي يراه الآخرون اليوم.

وغالبًا ما نرى النتيجة ونجهل الطريق، نرى شخصًا ناجحًا وننسى سنوات المحاولة التي سبقَت نجاحه، نرى إنسانًا قويًا ونجهل عدد المرات التي انكسر فيها ثم أعاد بناء نفسه، نرى شخصًا هادئًا ونجهل كم من الضجيج عاشه داخله حتى وصل إلى هذه الدرجة من الاتزان، وإن مقارنة أنفسنا بالآخرين قد تكون واحدة من أكثر الأخطاء ظلمًا للذات قد تقول لشخص "ليتني مثلك، فأنت لا تحزن، وحياتك تبدو مستقرة، وتملك من القوة ما يجعل كل شيء يمر بسهولة" غير أنك ترى الجزء الظاهر من حياته فقط، أنت لا ترى لياليه الصعبة، ولا مخاوفه، ولا الخيبات التي أخفاها، ولا الأسئلة التي ظل يبحث لها عن إجابات.

وفي الحياة وتقلباتها كل إنسان يحمل معركته الخاصة، هناك من يقاوم من أجل أسرته، ومن يحاول تجاوز تجربة مؤلمة، ومن يسعى إلى بناء مستقبله رغم ظروفه الصعبة، ومن يبتسم حتى لا يقلق من يحبهم، وهناك شخص يبدو قويًا أمام الجميع، بينما يحتاج في داخله إلى كلمة طيبة، أو حضن صادق، أو شخص يجلس بجانبه دون أن يطالبه بشرح كل ما يشعر به.

والحقيقة أن القوة التي نراها في الآخرين قد تكون في أصلها نتيجة ألم طويل، فالإنسان لا يصبح صلبًا لأنه لم يتألم، وإنما لأنه عرف الألم وتعلم كيف يعيش بعده، قد تغيره الخسارات وتجعله أكثر نضجًا، وتدفعه إلى إعادة ترتيب أولوياته، وقد تجعله يعرف قيمة الأشياء التي كان يتعامل معها باعتبارها أمورًا عادية، وأحيانًا لا ندرك قيمة الأمان إلا بعد أن نفتقده، ولا نفهم معنى الطمأنينة إلا بعد أن نمر بفترة طويلة من القلق.

ومع ذلك فإن الألم لا يمنح الإنسان دائمًا إجابات واضحة، أحيانًا يترك وراءه أسئلة كثيرة، لماذا حدث ذلك؟ لماذا رحل هذا الشخص؟ لماذا فشلت هذه المحاولة؟ لماذا اضطررت إلى تحمل كل هذا؟ أسئلة قد تبقى معلقة فترة طويلة، حتى يتعلم الإنسان أن بعض الأحداث لا تأتي معها إجابات فورية، وأن التعافي قد يبدأ حين يتوقف عن البحث المستمر عن تفسير لكل شيء، وعلينا أن نكون أكثر رحمة في أحكامنا على الآخرين، الشخص الذي يبدو باردًا قد يكون متعبًا، والذي يبتسم باستمرار قد يخفي حزنًا عميقًا، والذي يرفض الحديث قد يكون قد أمضى وقتًا طويلًا في محاولة ترتيب مشاعره، لا يمكن للملامح وحدها أن تخبرنا بما يحدث داخل الإنسان.

وأيضًا علينا أن نكون أكثر رحمة بأنفسنا فلا بأس أن نتعب، وأن نعترف بأننا مررنا بأيام صعبة، لا بأس أن نتوقف قليلًا، وأن نطلب المساندة، وأن نعترف بأن بعض الجروح تحتاج وقتًا حتى تلتئم، والاستمرار في الحياة لا يعني تجاهل الألم، وإنما يعني أن نتعلم كيف نحمله بطريقة أقل قسوة على أرواحنا، كل واحد منا يحمل نسخة خاصة من حكايته ولا أحد يعرف تفاصيلها كاملة، قد يعرف الناس اسمك، عملك، ابتسامتك، وبعض ملامح حياتك، أما أعماقك وما مررت به، فذلك عالم لا يراه إلا أنت.

لذلك لا تحسد شخصًا على قوته قبل أن تعرف الثمن الذي دفعه ليصل إليها، ولا تحكم على إنسان من لحظة واحدة تراها منه، فربما كانت تلك الابتسامة نتيجة معركة طويلة، وربما كان ذلك الهدوء ثمرة سنوات من الألم والتجارب، الحياة قاسية بما يكفي، فلا نزيد قسوتها على بعضنا بالأحكام السريعة والمقارنات الجائرة، كلمة طيبة قد تخفف عن إنسان يومًا ثقيلًا، وابتسامة صادقة قد تمنحه شعورًا بأنه ما زال مرئيًا في هذا العالم، وتظل الحقيقة الأهم أن خلف كل وجه حكاية، وخلف كل صلابة لحظات ضعف، وخلف كل ابتسامة أشياء كثيرة قد لا نعرفها، لذا كن رحيمًا بالناس وكن رحيمًا بنفسك، فأنت أيضًا تحمل قصة كاملة لا يعرف تفاصيلها أحد سواك.

الأكثر قراءة

z