زيارة الرئيس الصيني لواشنطن.. إعادة ضبط البوصلة بين قوتين تحددان مصير القرن

 

 

 

أ.د. دينغ لونغ **

 

في لحظات نادرة من التاريخ الدولي، تتحول لقاءات القِمَّة من مجرد بروتوكولات دبلوماسية إلى محطات فارقة تعيد رسم خريطة العلاقات الدولية بأسرها. وتنطوي الزيارة التي قام بها الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى الولايات المتحدة الأمريكية على هذا النوع من الأبعاد الكبرى؛ إذ لا يتعلق الأمر بالعلاقات الثنائية بين بكين وواشنطن وحدها، بل بمصير النظام الدولي برمته، وبأسئلة وجودية تتعلق بمسار العولمة، ومستقبل الاقتصاد العالمي، واستقرار كوكب يزداد هشاشةً بفعل التحولات الجيوسياسية والأزمات المتتالية.

والعلاقة بين الصين والولايات المتحدة ليست مجرد معادلة قوى تقليدية بين دولة صاعدة ودولة قائدة، بل هي العلاقة الأكثر تأثيرًا في القرن الحادي والعشرين، تلك العلاقة التي صاغ أحد المعلقين الأمريكيين وصفًا لها بأنها «أخطر ثنائية في السياسة العالمية»، لأنها إذا سارت على درب المواجهة، فإن ثمن ذلك لن يدفعه الطرفان وحدهما، بل البشرية جمعاء. ومن هذا المنطلق، تكتسب هذه الزيارة أهميتها الحقيقية: فهي ليست رحلة دبلوماسية عابرة، بل رسالة إلى العالم بأسره بأن العقل لا يزال قادرًا على أن يعلو فوق عواطف الاندفاع والحسابات القصيرة.

أولًا: ثمار الزيارة.. إنجازات ملموسة تتجاوز الإعلانات المبهمة

إذا كان البعض ينظر إلى قمم القادة نظرة متشائمة، بحجة أن البيانات الختامية غالبًا ما تكون واسعة الوعود محددة الإنجازات، فإن الزيارة الحالية تخرج عن هذا النمط، إذ تضمنت حزمة من النتائج العملية الملموسة التي تلمس حياة الناس مباشرة، وتعالج القضايا التي طالما شكلت أرضية التوتر بين البلدين؛ فقد اتفق الطرفان على استئناف الحوار بين القيادتين العسكريتين على مستويات متعددة، وهو إنجاز بالغ الأهمية إذا أدركنا أن انقطاع التواصل العسكري بين قوتين نوويتين كان يمثل أخطر فصول التوتر، لأن سوء الفهم في ساحات التماس البحرية والجوية قد يتحول بسرعة الصاعقة إلى أزمة لا يمكن احتواؤها. كما شهدت الزيارة إطلاق آليات للحوار حول الذكاء الاصطناعي، تلك التقنية التي باتت الميدان الأبرز للتنافس الاستراتيجي بين القوتين، والتي تستدعي بالضرورة قواعد مشتركة تمنع تحويلها إلى سباق تصعيدي بلا ضوابط.

وتحظى قضايا الناس باهتمام خاص في ثمار هذه الزيارة، فالتعاون في مجال مكافحة إنتاج المخدرات الاصطناعية، وتوسيع رحلات النقل الجوي بين البلدين، وتسهيل التبادلات في مجال التعليم والثقافة والشباب، واستئناف التعاون في مجال البيئة والتغير المناخي، كلها ملفات كانت مجمدة أو شبه مجمدة، وقد عادت إلى واجهة العلاقات الثنائية؛ بل إن العودة إلى برامج التعاون في مجال الطاقة النظيفة والمسائل الاقتصادية المالية، تفتح آفاقًا أمام تحويل التنافس من ساحة الصراع المطرد إلى منافسة يضبطها الإطار القانوني والقواعد المقبولة دوليًا.

غير أن أهم إنجازات هذه الزيارة قد لا يكون وثيقة موقعة، بل الرسالة السياسية التي تحملها إلى الداخل الأمريكي والمجتمع الدولي: أن الصين لا تسعى إلى إحلال نفسها محل الولايات المتحدة على نحو يقلب النظام العالمي، وأن الباب ما زال مفتوحًا أمام شراكة لا تتعارض مع مصالح الشعب الأمريكي، بل تتقاطع معها في نقاط عديدة تتعلق بالتجارة والاستثمار وخلق فرص العمل.

 ثانيًا: لماذا هذه العلاقة مهمة.. حين يكون العالم رهينة التفاهم أو التصعيد

 

لا يستقيم فهم أهمية العلاقات الصينية الأمريكية دون وعي بالسياق التاريخي الاستثنائي الذي تتحرك فيه؛ فالصين والولايات المتحدة يشكلان معًا حوالي ثُلث الناتج الاقتصادي العالمي، وثُلثي إجمالي الابتكار العالمي، وأكثر من نصف الانبعاثات الكربونية، ويعيشان في تجارة متشابكة يفوق حجمها 600 مليار دولار سنويًا، وتربطهما شبكات إنتاج عالمية لا يمكن تمزيقها دون أن تنزف الاقتصاد العالمي بأسره.

إن الانفصال بين البلدين، أو ما يسمى بالتفكيك المُنظَّم للعلاقات الاقتصادية، ليس خيارًا تقف وراءه الرياضيات البسيطة للمصالح فحسب، بل هو ضرب من الوهم الاستراتيجي؛ لأن اقتصاد القرن الحادي والعشرين اقتصاد مترابط، والحرب التجارية التي أطلقتها واشنطن في السنوات الماضية لم تُضعف الصين كما كان مخططًا لها، بل أدت إلى ارتفاع الأسعار في السوق الأمريكية، وإلى تباطؤ النمو العالمي، وإلى دفع الصين نحو تنويع شركائها الاقتصاديين وتسريع استقلالها التكنولوجي، وهي نتائج عكسية على مبدأ «الضغط يولد المقاومة».

كما أن أهمية العلاقة تنبع من طبيعة التحديات العابرة للحدود التي تواجه البشرية؛ فالأمن المناخي، وجائحات الأمراض، وأزمات الديون في الدول النامية، وتنظيم الفضاء الإلكتروني، لا يمكن لأي قوة مهما عظم شأنها أن تتصدى لها منفردة. وقد أثبتت أزمة المناخ بما لا يدع مجالًا للشك أن التصعيد الاستراتيجي بين القوتين يعني غياب الضغط الجماعي على الانبعاثات، وغياب التمويل الكافي لدول الجنوب، ومن ثم انهيار أجندة الاستدامة التي تخص البشرية كلها دون استثناء.

ثالثًا: طريق التعايش الصحيح.. ثلاثية الاحترام والتعايش والربح المشترك

إذا كانت الزيارة تفتح صفحة جديدة، فإن السؤال المركزي يبقى: ما الطريق الصحيح لإدارة العلاقة بين قوتين مختلفتين في النظم والأيديولوجيا والتطلعات؟ الجواب الذي طرحته القيادة الصينية بوضوح، ويعكس عمق الرؤية التاريخية، هو أن أساس التعايش الصحيح يقوم على ثلاث ركائز: الاحترام المتبادل، والتعايش السلمي، والتحقق المتبادل للربح؛ فالاحترام المتبادل يعني أولًا الاعتراف بحق كل طرف في اختيار مساره التنموي الذي يناسب ظروفه وثقافته وشعبه، دون محاولات فرض نموذج واحد باعتباره معيارًا أحاديًا للعالم. الصين التي اختارت طريق التحديث الاشتراكي بخصائصها الخاصة، لم تحاول يومًا تصدير نموذجها إلى الآخرين، وإنما اعتبرت أن التنوع البشري ثروة لا عبء، وأن التنمية ليست مسألة نسخ ولصق؛ بل اكتشاف ذاتي مرتبط بالسياق التاريخي لكل أمة.

أما التعايش السلمي، فهو الخيار الاستراتيجي الأعمق؛ إذ يعني رفض منطق الصراع الحتمي بين القوى الصاعدة والقوى القائمة، ذلك المنطق الذي أنتج حربين عالميتين في القرن العشرين، والذي يبشر بعض المدونين الاستراتيجيين بنسخة معاصرة منه. الصين ترفض نظرية «فخ ثيوسيديدس» جذريًا، وتؤكد أن العلاقة ليست صفرية بالضرورة، وأن تصادم المصالح لا يعني التصادم العسكري، طالما بقيت قنوات الحوار مفتوحة، وطالما ظل طرفان ملتزمين بضوابط الأزمات.

أما الربح المشترك فهو المحرك الاقتصادي للعلاقة؛ فالشراكة لا تبنى على الإحسان وإنما على المصالح المتبادلة، والانفتاح المتبادل على الأسواق والاستثمارات هو الذي يكرس مصالح مشتركة عميقة تجعل الانزلاق نحو المواجهة أغلى ثمنًا من التسامح المتبادل. وهنا تكمن المفارقة العميقة: أن أقصر طريق لضمان السلم بين القوتين هو زيادة درجة الترابط بينهما لا خفضها.

رابعًا: إدارة الخلافات.. فن الاختلاف دون التصادم

لا يمكن لعلاقة بهذا الحجم والتعقيد أن تخلو من الخلافات؛ فملف تايوان يظل الخط الأحمر الأكثر حساسية، والمسائل التجارية والتكنولوجية تحمل شحنات توتر دائمة، والخلافات حول حقوق الإنسان والممارسات الإقليمية تبقى نقاط احتكاك متجددة. لكن الفارق بين الأزمة القابلة للانفجار والخلاف القابل للإدارة يكمن في الآليات، لا في حجم الخلاف ذاته.

وقد نجحت الزيارة في ترسيخ قاعدة ذهبية: أن الخلافات لا ينبغي أن تحُول دون التعاون، وأن التعاون لا ينبغي أن يُجرِّد العلاقة من النقاش الصريح حول الخلافات. هذه المعادلة الدقيقة، التي تفصل بين الموضوعات القابلة للتفاوض والموضوعات الخطوط الحمراء، هي التي تمنح العلاقة قابليتها للاستمرار. فالحديث الصريح والمباشر بين القيادتين، بعيدًا عن وسائط الإعلام وضغوطها، يبقى أفضل وسيلة لتفادي سوء الفهم وتصحيح القراءات الخاطئة التي تتراكم عبر خطابات المؤسسات المتشددة في الطرفين.

كما أن إدارة الخلافات تقتضي وضع «حواجز أمان» واضحة حول الملفات الحساسة، بحيث لا يتحول الخلاف التجاري مثلًا إلى ضغوط على قضايا السيادة، ولا تتحول الضغوط العسكرية في مضيق تايوان إلى شرارة مواجهة غير مقصودة. وهذا ما عبّرت عنه الزيارة بما يمكن تسميته «دبلوماسية الحدود الواضحة»: خطوط حمراء معلنة، وآليات تفتيش متبادلة، وقنوات طوارئ لا تنقطع مهما اشتد الخلاف.

خامسًا: مسار التنمية.. التزامن لا الصدام

على صعيد المسار التنموي الأوسع، تطرح الزيارة نموذجًا بديلًا لعلاقات القوى في القرن الحادي والعشرين: نموذج «التزامن» لا «الصدام»؛ فالصين لا تنتظر إذنًا من أحد لتطوير قدراتها، كما أن الولايات المتحدة لا تستطيع وحيدةً أن تُعيد تشكيل النظام الدولي وفق رؤيتها الأحادية. والمسار الواقعي الوحيد هو التزامن بين مسارين تنمويين مختلفين، كلٌّ منهما ينمو ضمن إطار قواعد دولية مشتركة، ويتنافس في ساحات الاقتصاد والتقنية والمعرفة دون أن يتحول التنافس إلى عداء وجودي.

 

وهنا يبرز البُعد الأعمق للزيارة: فهي تعيد تفعيل مفهوم «الأمن المتبادل» على نحو يتجاوز المصطلحات التقليدية؛ فالأمن اليوم لا يقتصر على حماية الحدود والدفاعات، بل يشمل أمن التطور، وأمن المعيشة، وأمن المناخ والبيئة، وأمن الإمدادات والطاقة. وأمن التطور بوجه خاص يعني حق الشعوب في التنمية دون حصار أو عقوبات تعسفية، وهو مفهوم أطلقته الصين في مبادراتها الدولية، وأصبح يحظى بتأييد متزايد في دول الجنوب التي تعاني من هيمنة النظام المالي الدولي وآلياته الأحادية الجانب.

كما أن المسار التنموي المستقبلي يفرض التعاون في التقنيات الناشئة؛ فالذكاء الاصطناعي، والطاقة النظيفة، والفضاء، والبيولوجيا، هي ساحات إما أن تتحول إلى ساحات تجزئة العالم إلى كتل متقابلة، وإما أن تكون مساحات تفاهم على قواعد مشتركة تخدم البشرية. والزيارة الحالية تفتح الباب لاحتمال الثاني، عبر الحوار الحكومي حول الذكاء الاصطناعي، واستمرار التعاون في المناخ، وتوسيع نطاق التبادلات الأكاديمية التي تضمن أن يظل جيل المستقبل من الباحثين والمبتكرين في البلدين مترابطًا رغم تشدد الأجواء السياسية.

قمة من أجل العقل الجماعي للبشرية

إنَّ زيارة الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة، في جوهرها النهائي، ليست حدثًا ثنائيًا يُقرأ في واشنطن وبكين وحدهما، بل هي حدث يخص العالم كله، لأن مستقبل العلاقة بين القوتين سيكتب فصولًا من التاريخ الذي سيقرأه أبناؤنا: فصل التعايش المنظم والتنافس الضبابي المتوازن، أو فصل الحرب الباردة الجديدة التي لا يربح فيها أحد سوى أصحاب صناعة السلاح والانقسام.

وقد أثبتت هذه الزيارة أن الحوار لا يزال ممكنًا وأن التفاهم لا يزال قادرًا على التغلب على الحسابات القصيرة، وأن العلاقة بين أكبر قوتين في العالم تحتاج إلى حكمة سياسية وتجرد تاريخي لا يرتبطان بمزاجات الساعة؛ فالبوصلة التي أُعيد ضبطها في هذه الزيارة ليست بوصلة العلاقات الثنائية فقط، بل بوصلة النظام الدولي بأسره، ورسالته العميقة أن البشرية ما زالت قادرة على أن تتعلم من مآسي قرنها العشرين، وإن التعايش ليس حلمًا مثاليًا بل ضرورة وجودية، وأن مستقبل القرن الحادي والعشرين سيُبنى ليس على أطلال الحروب، بل على جسور التفاهم التي تعبرها القمم الكبرى، مثل هذه القمة، نحو أفق يتسع لجميع الشعوب.

** أستاذ بمعهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة شنغهاي للدراسات الدولية- الصين

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z