سالم بن نجيم البادي
ما إن تدخل مؤسسة صحية، أو عيادة، أو حتى صيدلية، حتى يكاد يكون هذا السؤال في انتظارك: هل عندك ضغط أو سكري؟
سؤال يتردد كثيرًا، حتى أصبح مألوفًا إلى درجة تثير الانتباه، وربما القلق أيضًا.
وقد حدث أن أُصبت بخُرَّاج في إصبعي، فذهبت إلى إحدى الصيدليات بحثًا عن مسكن، فإذا بالصيدلاني يدخلني فيما يشبه التحقيق، ويسألني: هل عندك سكري؟
قلت له: لا.
لكنه لم يكتفِ بالإجابة، وظل يسأل ويلح، ثم سألني عن آخر مرة أجريت فيها فحص السكري، فأخبرته، ثم خرجت مسرعًا دون أن أحصل على مسكن للخراج!
ولست هنا بصدد الاعتراض على السؤال من حيث المبدأ، فهو سؤال قد تكون له أسبابه الطبية، وإنما أتساءل عن دلالته حين أصبح السؤال الأول الذي يُطرح على كثير من المراجعين، خصوصًا البالغين.
فإذا كان السؤال يتكرر بهذه الصورة، فلا بد أن يقودنا إلى أسئلة أخرى: ما مدى انتشار مرضي الضغط والسكري بين الناس؟
وهل أصبحت الإصابة بهذين المرضين لدى كبار السن هي القاعدة والشائع والمعتاد، وأصبحت عدم الإصابة بهما هي الاستثناء؟
وإذا لم يكن الأمر كذلك، فلماذا أصبح السؤال حاضرًا بهذا الشكل في المؤسسات الصحية والعيادات والصيدليات؟
أسئلة تثير القلق، وتدفعنا إلى البحث عن الأسباب التي جعلت هذين المرضين يبدوان وكأنهما وباء منتشر بين أعداد كبيرة من الناس.
ما هي الأسباب؟
وهل هناك أسباب أخرى غير تلك التي نعرفها، ومنها الأكل غير الصحي، وقلة الحركة والخمول، والسمنة والعوامل الوراثية؟
وهل أصبح الحل محصورًا في تناول الأدوية التقليدية المعروفة؟
وهل صارت الإصابة بالضغط والسكري قدرًا محتومًا على كل من يتقدم به العمر؟
وهل توجد استراتيجية وطنية للقيام بشيء أكثر للحد من انتشار هذين المرضين، اللذين يمثلان عبئًا ثقيلًا على الفرد المصاب وأسرته والمجتمع والدولة، التي تنفق أموالًا طائلة في علاج مرضى السكري وضغط الدم ومتابعتهم؟
ربما نحتاج إلى التفكير في إجراءات صغيرة وبسيطة، ولكنها قد تصنع فرقًا مع مرور الوقت.
فماذا لو بدأنا، مثلًا، بتحسين نوعية الخبز، وهو الطعام الغالب مع الأرز لدى كثير من الناس، واستبدال الخبز الأبيض بالخبز الأسمر المصنوع من الحبة الكاملة، كما فعلت بعض الدول، على أن يتم ذلك تدريجيًا، وبالتزامن مع توعية الناس بأهمية تناول الخبز الأسمر؟
وماذا لو طُلب من شركات المطاحن والمخابز زيادة إنتاج خبز الحبة الكاملة وخفض إنتاج الخبز الأبيض تدريجيًا؟
وماذا لو فُرضت ضرائب كبيرة على المشروبات الغازية والسكريات وبعض الأطعمة التي يُتهم الإفراط في تناولها بالتسبب في مشكلات صحية، وبالتالي ترتفع أسعارها، فيقل الإقبال عليها؟
وماذا لو مُنع بيع بعض الحلويات والسكريات الرديئة والمليئة بالألوان والأصباغ والمواد الحافظة، والمنتشرة في الأسواق ومحلات البقالة في القرى والأرياف، والتي يقبل الأطفال على شرائها دائمًا؟
وماذا لو وجدنا طريقة تجعل الأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن أكثر حرصًا على إنقاص أوزانهم قبل أن يصلوا إلى مرحلة المرض؟
وهل يمكن الاستفادة، ولو على سبيل التجربة والدراسة، من بعض الأفكار التي طرحها الدكتور الراحل ضياء العوضي في نظام الطيبات؟
وهل يمكن إعادة النظر في أساليب التوعية للناس من أجل الوقاية من هذين المرضين، بدلًا من الاكتفاء بالتوعية التقليدية التي اعتاد الناس سماعها؟
نحن بحاجة إلى توعية مكثفة وجذابة، تستخدم فيها وسائل العصر، ومنها الذكاء الاصطناعي، وتصل إلى الناس حيث هم، لا أن تنتظر حضورهم إلى المؤسسات الصحية، فرق مؤهلة ودائمة تزور الناس في منازلهم، وفعاليات في المدارس والكليات والجامعات والمجالس العامة والمساجد والمولات الكبيرة، وحملات توعوية مختلفة تخاطب الناس بلغة بسيطة ومباشرة، وتشرح لهم كيف يمكن أن يحموا أنفسهم قبل أن يصبح المرض جزءًا من حياتهم اليومية.
فما أشعر به شخصيًا أن التهام أدوية الضغط والسكري يوميًا، وبكميات كبيرة، وعلى مدى الحياة، عند المصابين بهذين المرضين، هو همّ مقيم، ومرض يُضاف إلى المرض.
والمريض لا يحمل مرضه وحده، بل يحمل معه مواعيد الفحوصات، والزيارات الطبية، والأدوية، والقلق من ارتفاع المؤشرات أو انخفاضها، والخوف من المضاعفات.
وفي الوقت الذي تغير فيه كل شيء تقريبًا وتطور في هذا العالم، لا يزال علاج الضغط والسكري في كثير من الحالات قائمًا على السيطرة على المرض وتخفيف آثاره ومنع مضاعفاته، وليس على الشفاء التام منه.
ولذلك، فإن السؤال الأهم ربما لا ينبغي أن يكون فقط: هل عندك ضغط أو سكر؟ بل يجب أن يكون أيضًا: كيف نحمي الناس من الوصول إلى هذه المرحلة؟ وكيف نجعل الوقاية حاضرة في حياة الناس، لا مجرد نصائح يسمعونها ثم ينسونها؟
كيف نجعل الغذاء الصحي متاحًا ومحببًا، والحركة جزءًا من الحياة اليومية، والوعي الصحي ثقافة تبدأ من المدرسة ولا تنتهي عند المستشفى؟
ربما آن الأوان لأن ننتقل من سؤال المريض: هل عندك ضغط أو سكر؟ إلى سؤال المجتمع كله:
ماذا فعلنا حتى لا يصل الناس إلى الضغط والسكري؟
وفي النهاية، أسجل رجائي لكل العاملين في مؤسساتنا الطبية: توقفوا عن هذا السؤال المرعب: هل عندك ضغط أو سكر؟
