إدارة العقول وبيع الوهم

 

 

 

د. صالح الفهدي

اقتضت الهيمنة على إدارة العقول إلا تكون وسيلتها إلى ذلك عبر المُحاجَجة المنطقية لأنها ستفشل، وإنما عن طريق التحكُّم بالمشاعر والرغبات والغرائز، ولذلك تم ربط الاستهلاك بهذه الوسائل؛ فأصبحَ كوب الشاي الذي يتناولهُ ذلك الذي يقفُ في طابور السيارات مرتبطًا بشعور السعادة والشعور بأن اليوم لا يبدأ إلا بهذا الكوب؛ لأنه رأى الآخرين يفعلون ذلك ويصوِّرون ذلك الكوب ولافتة المحل الذي يشترون منه، معتقدين أنهم هم ذاتهم أصحاب القرار في ذلك بينما كانوا في الحقيقة ضحايا قرارات غيرهم التي ساقت القطيع إلى تبنِّي شعور معيَّن وفقَ صورةٍ، أو مقطع دعائي معيَّن، أو جزء من فيلم.

أذكرُ في بداية الثمانينات من القرن الماضي لوحةً ملصقة في دكَّان والدي في القرية؛ حيث تظهر شابَّة وهي تشربُ "الكوكاكولا" تحت وهج الشمس، مُظهِرة الارتياح من المشروب اللامع، وناقلةً هذا الإحساس إلى كل من يطَّلع على الصورة، حتى أصبح أحد الكبار حينما يطلبُ منه أن يقومَ بسلوكٍ معيَّن، يشترط "غرشة كوكاكولا"!

في المكسيك يشربُ بعض السكَّان مشروب "الكوكاكولا" أكثر من الماء؛ على سبيل المثال مدينة "تشامولا" التي يشرب سكانها نحو لترين يوميًّا بحجَّة أنها "تطردُ الأرواح الشريرة" ويستخدمُ في الجنازات ويعمَّد بها الأطفال، والمشكلة أنهم يموتون من السُّكري، و40 بالمائة منهم سمينون بسبب هذا المشروب!

فكرة "البراندات" أي العلامات التجارية الشهرية هي بيعُ أوهامٍ في أغلبها، وتشترى المنتجات التي ترتبطُ بإحساس التميُّز عن الآخرين، دون أن يعرف الكثيرون ممن يقتنون هذه "البراندات" حقيقة المواد والعناصر التي تصنع منها.

لقد أدرك إدوارد بيرنيز وهو عالم نفسي، صاحب كتاب "البروباغاندا" الصادر عام 1928، أن المجتمعات الديمقراطية تتطلب ترويضًا أكثر ذكاءً ونعومة؛ فبدلًا من إجبار الناس على فعل ما لا يريدون، تُعاد صياغة رغباتهم حتى يريدوا ما يُراد لهم أن يفعلوه. تقوم هذه المنظومة على خطوات مدروسة ومحكمة لإدارة العقل الجمعي. ويقول في كتابه الشهير بصراحة فجَّة: "أولئك الذين يتلاعبون بآليات المجتمع يُشكّلون حكومة غير مرئية وخفية، وتلك القوة الخفية هي الحاكمة الحقيقية لبلدنا. آراؤنا محكومة، وعقولنا مُصاغة، وأذواقنا مُشكلة، وأفكارنا التي نعتقد أننا نؤمن بها اقترحها لنا- إلى حد كبير- رجال لم نسمع بهم من قبل".

وقد كان بيرينز نفسه عرَّابا لهذه الأفكار التي تقود القطيع بالدوافع العميقة، والغرائز المكبوتة، ولهذا استطاع في العشرينات من القرن العشرين أن يوسِّع تدخين السيجار ليشمل النساء مستغلًا مظاهرة نسوية احتجاجًا على هيمنة المجتمع الأبوي، فجهَّز مجموعة من المدخنات ليظهرن في تلك المظاهرة وهنَّ يدخنَّ السجائر، رابطًا تلك السجائر بمشاعر الاستقلال والتحرُّر وأطلق على تلك السجائر "مشاعل الحرية Torches of Freedom". وقد تحوَّلت السجائر اليوم عبر أفلام هوليوود وغيرها من الإعلانات من دخان سام إلى سلوكٍ يرمزُ إلى الرجولة، والغموض والجاذبية!

يحسبُ الناسُ أنهم يتخذون الكثير من قراراتهم الشرائية أو حتى السياسية بمحضِ قناعاتهم، وأنها نابعةٌ من إرادتهم المستقلة في حين أنهم يقادون دون أن يشعرون بوهمٍ زائف، وهي الحقيقة التي يكشفُ عنها مؤسس العلاقات العامة والبروباغندا الحديثة، إدوارد بيرنيز بأنَّ ما نظنه "قراراتنا الشخصية" ليس في الغالب سوى منتج مهندس بعناية فائقة في غرف مظلمة تدير رغباتنا دون أن نشعر.

وإذا كانت هذه الأفكار قد وردت في كتابٍ صدر قبل ما يقارب من مائة عامٍ على ما نحو فيه اليوم من ثورةٍ رقمية يقودها الذكاء الاصطناعي، فكيف حالنا اليوم مع ما يسمَّى "هندسة القطيع" التي تعملُ على إدارة الرغبات، والغرائز، وربط السلوكيات بالأحاسيس، بل وإعادة صياغة القيم؟

إن "هندسة القطيع" و"إدارة العقل الجمعي" و"بيع الوهم" تتم عبر خطوات مدروسة:

أولا: صناعة الرموز: لقد تم استغلال ميل النفس البشرية بطبيعتها إلى الرمز المحبوب والمبهر، وهي حين تفعل ذلك فإنها تهضم سلوك به دون تفكير نقدي؛ فمحاكاة الرمز هي أقصر الطرق لتزييف المكانة والشعور بالانتماء، (إحدى الفتيات انتحرت من شرفة شقة العندليب عبدالحليم حافظ بعد سماعها نبأ وفاته، وهي تقول: وراك يا عبدالحليم!"، وبالطبع فقد تم صناعة من يسمون بـ"المؤثرين" و"النجوم" و"المشاهير" و"الفاشنستات" من أجل ربط الآخرين بما يقولونه وما يستهلكونه، وما يروِّجون له.

ثانيًا: التسلل إلى العقل الباطن: وذلك عبر ربط الرغبات الكامنة في أعماق النفس بالاستهلاك، كأن تربط الرغبة في التحرر والانفتاح، والاستقلال، والرجولة، والجاذبية بسلوك استهلاكي معيَّن. ويلاحظ أن هذا الربط تم بعيدًا عن العقل ومقتضيات المنطق، لكي تُبنى القرارات وفقًا لما تم التخطيط له من قبل تل "القوى الخفيَّة" في تخدير تام من العقل!، ولذلك حين تدخِّن المرأة فإنها تشعُر بالمساواة مع الرجل، بينما هي ضحية قد وقعت من أجل تعظيم أرباح شركات التبغ.

ثالثًا: تطبيع السلوك: ويهدف ذلك إلى تحويل السلوك من دائرة "المستهجن" إلى دائرة "المقبول" في المجتمع، ولقد ذكرتُ سابقًا أنني كنت أتتبَّع إجابات الإنجليز في سؤالٍ طرحته عليهم إذاعة "Five Live" وهو: لماذا تشرب الكحول؟ فكانت الإجابة الغالبة: "لأنه مقبول اجتماعيَّا" هذه الإجابة تؤكِّد على تطبيع السلوك المشين، الذي تحوَّل بموجبه الخمر إلى سلوك "مقبول اجتماعيًا" وتصبح الحجة الصامتة "الكل تقبّله والجميع يمارسه، وأنت لست أقل جرأة من غيرك لتجرب".

رابعًا: السيطرة على قنوات التلقي الإعلامي؛ وهي شرايين تغذي العقل الجماهيري بالمعلومات من خلال وسائلها الصحفية والتلفزيونية، والإعلام المسموع، وخوارزميات المنصات الرقمية الحديثة؛ إذ تُصاغ معلوماتها وسياقاتها وفقًا للأجندات التي يُراد تمريرها لعقول الجمهور.
نخلصُ إلى أن "الإدارة الخفية" للعقول باتت واضحة، ومتجليِّة في كثير من مظاهرها، والإشكالية أنها قد وصلت إلى المنطقة العميقة؛ منطقة المفاهيم والتصورات والقيم والقناعات والرغبات والغرائز فسهل عليها التلاعب بها، وتمرير أفكارها دون شعور من العقل.

وما لم تستيقظ العقول وتمتلك فكرًا ناقدًا، وحسًّا نبيهًا، وبصيرةً فطنة، فإنها ستكون ضمن القطيع الذي يُساق.

الأكثر قراءة

z