وقع الزيارة التاريخية السامية

 

د. صالح الفهدي

لَم تكن زيارةً عابرةً، بل تاريخيَّةً بمعنى الكلمةِ؛ تلك الزيارة التي قامَ بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق آل سعيد -حفظه الله ورعاه- إلى المملكة المتحدة؛ بدعوةٍ من الملك تشارلز الثالث، وقد حظيت الزيارة بالمراسمِ الاستثنائية الفخمةِ، والكلمات التاريخيةِ، والأوسمة الرفيعةِ، والبرنامج المعد بدقَّةٍ متناهيةٍ كما تقتضي المراسم الملكيَّة التقليدية عبر تاريخها الطويل. 

وقد كان لافتًا تلك العبارة التي تضمَّنتها كلمة جلالته في ضيافة الملك تشارلز حين أشار إلى الوثيقة التي أُبرمت بين البلدين سلطنة عُمان وبريطانيا بقوله: "وقد توطّدت هذه العلاقة العريقة في وثيقة رسميّة عام 1800، حين أبرمت سلطنةُ عُمان وبريطانيا العظمى معاهدة على أن ’تظل الصداقة بين الدولتين ثابتة مدى الدّهر، إلى أن تقضي الشمس والقمر مسيرة دورتهما‘؛ وبالرغم من مُضي أكثر من مائتين وعشرين عامًا، ولا تزال الشمس والقمر يدوران في فلكهما، فإن تلك الصداقة ثابتة، راسخة لا تتزعزع".

بل إنَّ جلالة السُّلطان- أيَّده الله- قد أَشار إلى اتفاقٍ أسبق عن الاتفاقية بنحو 150 عامًا، تمَّ في عصر اليعاربة وذلك عام 1647م حين قال: "ولا تقتصر جذور هذه العلاقة على ذلك، بل تمتدّ إلى اتفاقٍ أُبرم في وقت مبكر يعود إلى عام 1647، قبل أن تُوقّع اتفاقيات رسمية بين الحكومتين بزمن طويل. ولم يكن هذا الاتفاق المبكر مع الحكومة البريطانية فحسب، بل مع تجَّار مدينة لندن وتمثّلهم شركة الهند الشرقية البريطانية. وقد منحها هذا الاتّفاق امتيازات تجاريّة ميسَّرة، وأتاح الوصول إلى الموانئ العُمانية ولم تكن هذه المرة الأخيرة التي يبادر فيها القطاع الخاص".

وقد أشاد الملك تشارلز الثالث بالعلاقات التاريخية الوثيقة بين البلدين، وبالصفات النبيلة، والروح التاريخية للتسامح واللطف التي يتمتع بها الشعب العُماني، ولم يكن من كلام يعزُّ على العُمانيين أعظم من تطرِّق الملك تشارلز الثالث إلى إشادة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد حرص الملك على أن يقتبس الحديث الشريف المأثور وأن يُلقيه باللغةِ العربية: "لو أنَّ أتيت أهل عُمان ما سبُّوك ولا ضربوك"، كما أشاد بالمنهج السياسي العُماني، مثنيًا على الجهود الدبلوماسية التي تبذلها السلطنة ودورها في السعي لتحقيق السلام وتهدئة النزاعات في منطقة الشرق الأوسط.

لقد توِّجت الزيارة التاريخية بمنح الملك تشارلز الثالث وسام الجارتر العريق (Order of the Garter) لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله- وهو وسام الفارس الأعظم، الذي يُعدّ من أقدم وأعرق الأوسمة الملكية في بريطانيا، ويتبع الأسرة الملكية البريطانية مباشرة وليس الدولة؛ حيثُ يُمنح للأصدقاء المقربين للتاج البريطاني. واللافت أنَّه استحدث عام 1348م (أي منذ 678 عامًا)، ويُعدُّ وسامًا نادرًا للغاية؛ إذ لم يُمنح منذ تأسيسه لقادة دول في العالم سوى لـ9 قادة فقط، ويُعتبر جلالة السلطان هيثم بن طارق، هو الحاكم العربي الوحيد الذي يحصل عليه.

إنَّ الاحتفاء بحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم في قلعة ويندسور، واستقباله من قبل الملك تشارلز الثالث، يتجاوز حدود المراسم الدبلوماسية التقليدية؛ إذ يحمل دلالات رمزية وحضارية لها أثرها ووقعها في وجدان العُمانيين من حيث شعورهم بالفخر بوطنهم، والاعتزاز بقيادتهم، والثقة بمكانة دولتهم في المجتمع الدولي؛ فحين يرى العُماني سلطانه وهو يحظى باستقبال ملكي في واحدة من أعرق القلاع الملكية في العالم، فإن شعوره بالفخر لا يرتبط بشخص السلطان وحده، بل يمتد إلى الوطن الذي يمثله، ويكتسب هذا الشعور عمقًا أكبر حين يُستحضر تاريخ عُمان البحري والتجاري، وإسهام بحارتها وتجارها في التواصل الحضاري عبر المحيط الهندي، وتُذكُّر رموزها الثقافية وأخلاق أهلها في خطاب ملكي رسمي.

ولا شكَّ أن سماع العُماني للإشادة بتاريخ وطنه وإسهاماته على لسان ملك دولة عريقة، وفي زيارة تاريخية رفيعة، يعزِّزُ من شعور العراقة التاريخية لدى العُمانيين، ويذكِّرهم بأن بلادهم تمتلك إرثًا حضاريًا، وشخصية مستقلة، وحضورًا تاريخيًا ممتدًا.

إن هذه الزيارة تسهم في تعميق الاعتزاز بالهوية العُمانية من جوانب متعددة؛ فهي تجدد الوعي بالجذور الحضارية التي تشكلت عبر التاريخ، وتؤكد أن عُمان استطاعت التواصل مع شعوب العالم والانفتاح على الحضارات مع المحافظة على خصوصيتها.

كما أتاحت هذه الزيارة إبراز هَيبة الإنسان العُماني، وتقاليده الراسخة متمثلًا ذلك في السمت العُماني الذي هو في الأساس منظومة تقاليدَ عُمانية عريقة يلتزمُ بها العُمانيون، وتظهرُ في وقارهم وحُسن هيئتهم، ولم يكن ذكر جلالته أنَّه أَلِفَ "التوقيت الإنجليزي" أمرًا مُستغربًا؛ فذلك ما يتوافقَ مع الشخصية العُمانية التي تحترمُ الآخر، وتقدِّره، وتلتزمُ بالمواعيد.

وزيارة تاريخية كهذه تعزِّز شعور العُمانيِّ بالانتماء إلى دولة ذات تاريخ عريق، ومؤسسات وتقاليد راسخة، ويذكِّر المواطن بأن الاعتزاز بالوطن لا يقتصر على الرموز والمناسبات، بل يتجسَّد في صون منجزاته والإسهام في تقدمه، ومن هُنا تبرز أهمية نقل دلالات الزيارة إلى الناشئةِ والشباب، وتعريفهم بتاريخ عُمان البحري والدبلوماسي والثقافي؛ ليدركوا أن الانفتاح على العالم لا يعني الذوبان فيه، وأن تعلُّم اللغات واكتساب المعرفة لا يتعارضان مع التمسك باللغة العربية والخصوصية الثقافية.

لم تكن الزيارة التقاءً بين صاحبي الجلالة وحسب، وإنَّما التقاءٌ بين التاريخ العُماني المجيد، والتاريخ البريطاني العريق، وهو التقاءٌ كذلك بين الثقافتين العُمانية والبريطانية، في مشهد يعكس علاقات حضارية "ضاربة بجذورها في عمق التاريخ" كما قال جلالتهُ خلال لقاء رئيس وزراء المملكة المتحدة.

إنَّ العُماني وهو يُتابعُ هذه الزيارة التاريخية ومراسمها التقليدية، وما حفلت به من برنامجٍ فخمٍ ليشعرُ بالفخر في نفسه، والامتنانِ لأسلافه الذين كافحوا وناضلوا من أجلِ بناءِ وطنهم، وتحمَّلوا المخاطر لينفتحوا على العالم، ويوثقوا العلاقات الودية القائمة على التفاهم والسلم والمصالح المشتركة.

ومن نافلة القول إنَّ الهوية الواثقة لا تخشى الانفتاح على العالم؛ بل تتعلم من الآخرين دون أن تفقد كيانها، وتحترم ثقافاتهم دون أن تنتقص من ثقافتها، وتنفتح على الحضارات مع المحافظة على ثوابتها، وهكذا كان العُمانيُّ دائمًا يؤثِّرُ على الآخرين، ويتأثَّر في حدودِ ما ينمِّي هويَّتهُ، ويضيفُ إلى تاريخه.

وبهذا تبرزُ القيمة الوطنية الكبرى في هذه الزيارة التاريخية وذلك فيما يستشعره العُمانيُّ من اعتزازٍ بنفسه، ووعي بعمقِ هويته؛ الأمر الذي يزيدهُ مسؤوليةً تجاهَ وطنه، فقد رأى كيف أنَّ ما تقدَّم في الماضي من بناءٍ للأسلاف قد أثمرَ للحاضرِ علاقاتٍ متينةٍ مع دولٍ عريقة، ورأى الاحتفاءَ العظيم بوطنهِ وسلطانه متمثلًا لا في مراسمِ قلعةِ ويندسور وحدها، ولا في حي المال والأعمال بلندن؛ بل وفي كثير من الوسائل الإعلامية العالمية التي تناولت الحدث؛ إشادةً بالعُمانيين وما يختطهُ وطنهم من منهجٍ سياسيٍّ مُتعقِّلٍ ووَازِنٍ.

الأكثر قراءة

z