د. محمد بن خلفان العاصمي
حصانة المجتمع تعني قدرة المجتمع على حماية نفسه من التأثيرات والأفكار والممارسات المستوردة التي قد تهدد تماسكه وقيمه وأمنه واستقراره، وذلك من خلال تسليح أفراده بالوعي والمعرفة والتفكير النقدي والتمسك بالقيم والعادات والتقاليد والأخلاق والمبادئ، مع القدرة على التعامل الواعي مع الاختلاف الاجتماعي كأساس للحياة والتغيرات كحتمية لا بُد منها، كما أنه يشير إلى بناء وعي جمعي يمكّن أفراد المجتمع من التفريق بين الحقيقة والتضليل، والتعامل مع الاختلاف دون استقطاب وتعصب، ومواجهة محاولات التأثير في أمن المجتمع وتماسكه وهويته بحزم وقوة، مع الحفاظ على الانفتاح على الآخرين، والقدرة على الحوار بثقة وتمكن دون الخوف من الوقوع في فخ التأثير العكسي.
والوصول إلى هذا المفهوم وامتلاك الوعي لا يأتيان بين عشية وضحاها، ولكنهما ينطلقان من منهجية علمية واضحة وخطة شاملة تتكامل في تنفيذها عديد المؤسسات الاجتماعية من أسرة ومدرسة ومسجد وإعلام وغيرها، حتى يصبح الفرد قادرًا على معرفة المعلومة الصحيحة من الشائعة، وبين النقد كأداة لنمو وتطور المجتمعات، والتضليل كوسيلة لهدمها وزرع الفتنة بين أبنائها. وهنا تبرز أهمية الاعتناء ببناء التفكير النقدي لدى الأفراد حتى يحميهم من الانجرار وراء الشائعات والمحتوى المثير؛ حيث يقود هذا النوع من التفكير لبناء وعي عميق يحمي الفرد والمجتمع.
المتتبع لما يدور في وسائل التواصل الاجتماعي يدرك أن هناك هجمة على الوعي الوطني، وهذه الهجمة تستخدم ادوات جديدة، مُنتقلةً من الوسائل التقليدية إلى المنصات الرقمية، وذلك من خلال توظيف هذه الوسائل في نشر المعلومات المجتزأَة والمُضلِّلة والإشاعات، كونها سريعة الانتشار، وصناعة محتوى مثير للجدل وقادر على إثارة التعصب والتزمت والضغينة والحقد بين فئات المجتمع. وهنا يتم التركيز على أمريْن؛ وهما: المذهبية والطائفية؛ حيث يحدث الاستقطاب المبني على أساسهما بين أفراد المجتمع، كما يُثار أمر في غاية الخطورة وهو ضرب الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطن، من خلال إبراز الأخطاء وتكبيرها وتجاهل المُنجزات وتقزيمها، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى خلاف مقصود يخفي وراءه نوايا سيئة تجاه فئات معينة من المواطنين.
وهنا يبرز الواجب والمسؤولية لأفراد المجتمع ودورهم في حمايته، هذه المسؤولية حددها النظام الأساسي للدولة في الفصل الثالث منه (الحقوق والواجبات العامة)، كما حفظت القوانين الخاصة هذه الحقوق وحددت العقوبات لمن يتجاوز هذه الحقوق، ولا بُد من الإشارة إلى دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والدينية في رفع مستوى الوعي الفردي بالواجبات والمسؤوليات الملقاة على عاتقه لحفظ وحدة المجتمع وحماية حقوق أفراده وبناء مجتمع يتسم بالمساواة والعدالة واحترام الحقوق والتسامح والتعايش، كما أن على الدولة مسؤولية كبيرة في حماية المجتمع تتمثل في رعاية إعلام هادف مسؤول مُلتزم، وتوضيح الإشكالات التي قد تحدث ومواجهة الإشاعات بتوضيح الحقائق، وإشراك المجتمع في المعلومات المتعلقة بمواقف وتوجهات وسياسات الدولة، وعدم تغييب المواطن عن الحقيقة، وهذا من شأنه أن يعزز الثقة بين الطرفين ويبني جسور متينة من الوعي لا تخترق بالفتن والإشاعات والأفكار السلبية الهدامة.
وهناك مسألة أخرى مُهمة يجب أن تحظى بالعناية والاهتمام، وقد أشرتُ إليها في مقالي السابق وهي الهوية العُمانية، فهي الصمام الأساسي للمجتمع، وهي خط الدفاع الأول والأهم؛ حيث تتجاوز الهوية الاختلافات والخلافات وتعمل كمساحة جامعة لكل أطياف المجتمع، والمظلة التي تحمي الجميع من انحرافات الفكر والسلوك، من خلال بناء قيم التسامح والاعتدال والتعايش والحوار واحترام القوانين. وهذه الهوية التي تحافظ على الوحدة الوطنية، وتعطي مساحة للاختلاف، قائمةٌ على احترام هذا الحق دون تطرف أو تشدد أو دعوة للتمرد والخروج والعصيان.
إنَّ الواجب والمسؤولية الفردية لحماية المجتمع وتحصينه يجب أن تنتقل من فكرة الدفاع ضد الهجمات المتكررة من المرجفين إلى فكرة بناء مجتمع محصن بالقيم والمبادئ والوعي، وهذا ما يحقق مناعة المجتمع ضد ما يراد به من فتن وفساد، ومن أجل ذلك لا بُد من تشكُّل قناعة بأن حصانة المجتمع لا تُبنى بمنع الأصوات القادمة من الخارج، وإنما ببناء وعي داخلي يجعل المجتمع قادرًا على التمييز، والتفكير، والتحقق، والاختلاف دون أن يفقد تماسكه ووحدته.
