خلفان الطوقي
بالرغم من أن الحكومة تسعى للتكامل، والعمل لأجل هدف واحد، إلّا أنَّ الواقع يكشف أنَّ تطلعات المواطنين أعلى من الجهود المبذولة، فبينما نجحت الحكومة في تنفيذ مبادرات حكومية جماعية، إلّا أنها ما زالت لا تعمل ذلك في كثير من المجالات، فكثير من المسؤولين حتى هذه اللحظة تجده يُردد: "هذه ليست مسؤولية جهتي الحكومية، إنما المسؤول هي الوزارة الفلانية"، ونادرًا ما يقول: "سوف ننسق فيما بيننا لحلحة هذا الموضوع".
واقعيًا وعمليًا، كثير من المواضيع تتداخل بين أكثر من جهة، ومهما بذلت الحكومة من جهد لتحقيق الانسجام والتكامل فيما بينها، إلا أن هناك نقاط جديدة تظهر على السطح يوماً بعد يوم تحتاج للتكامل والتنسيق والعمل بروح الفريق الحكومي الواحد، والمطلوب هو التقييم الدوري للمستجدات، واقتراح حلول عملية ابتكارية لتقليل الثغرات أينما وجدت، ولا بأس في ذلك، مع مراعاة تسريع الوتيرة بما يتناسب والمتغيرات اليومية المتسارعة.
ومن هذا المنطلق، خاصة وأن الكثير من المبادرات النوعية تُعد جديدة في كثير من الجهات الحكومية؛ فعليه، يُمكن تبني مبادرة إيجاد "تمويل مشترك" لكل مُبادرة جديدة من أي جهة حكومية أو محافظة، بمعنى أنَّ أي مبادرة نوعية يمكن دعمها ماليًا أو لوجستيًا من عدة جهات حسب نوعيتها، ولكي يتم تبسيط المقترح، وتسهيل وصول الفكرة للمستهدفين منها، يمكن استعراض مبادرة واقعية أقيمت قبل عدة أيام مثل: مهرجان ظفار الدولي للمسرح، وما هذا المهرجان إلا مثال تطبيقي، بالرغم من أنه لم يُطبِّق الآلية المقترحة.
على سبيل المثال هذا المهرجان عقد في محافظة ظفار، ورغم أنه ضمن فعاليات موسم خريف ظفار، إلّا أن أهدافه اقتصادية، ولهذا السبب يمكن المشاركة في تمويله بشكل مُشترك من مكتب المحافظ وبلدية ظفار، وجزء تمويلي من وزارة التراث والسياحة؛ لأنه يخدم الترويج لسلطنة عُمان، وجزء آخر من التمويل يأتي من وزارة الثقافة والرياضة والشباب لأن قطاع المسرح يقع تحت مظلة هذه الوزارة. ونظرًا لأنَّ هذا المهرجان حظي بتقييم من وزارة الاقتصاد وموافقتها على أن المشروع ليس سياحيًا فقط، أو ثقافيًا فقط، إنما بمجمله اقتصادي، فيمكن تقديم توصية تمويلية بنسبة معينة من وزارة المالية، واقتسام النسب حسب الجهات التي يلامسها المشروع بشكل مُباشر أو غير مباشر.
هذا المقترح يمكن أن يحقق مجموعة من الأهداف مثل:
- التكامل: وهذا هو الهدف السامي الذي تسعى الحكومة لإيصاله للمواطنين والمقيمين، وبمجرد تكرار هذه الآلية، سوف يتم التكامل في جوانب أخرى تقلل من الثغرات والتداخلات -قدر الإمكان- في الاختصاصات والمسؤوليات.
- تحمُّل الكلفة المالية: المبادرات العالمية والمؤثرة تحتاج إلى إمكانيات ضخمة، وكثيرٌ من الفرص تأتي معها من الأحداث العالمية، وكم من الفرص التي لم نحصل عليها، لعدم استطاعتنا استضافتهم بسبب التكلفة المالية العالية، والحل يكمن في تقاسم الكلفة لأكثر من جهة حكومية وفق آلية واشتراطات واضحة ومعروفة لكافة الجهات الحكومية.
- التشجيع على الابتكار: هذا المقترح سوف يساهم في أن تكون الحكومة "مُمكِّنة" (enabler) من حيث تشجيع الجهات الحكومية على ابتكار الحلول أو تبني مبادرات نوعية، مما يجعل الجهات الحكومية سريعة في الاستجابة والتأقلم، ومرنة وغير تقليدية.
- التخطيط المبكر: لكي ينتج "التمويل المشترك" يتطلب إعداد ملف، واستفاء عدد من المتطلبات قبل وقت كافٍ، وفق مدد زمنية محددة، وهذا يعني اليقظة والتخطيط المبكر، مما يساهم في خلق قيادات إدارية ومالية وفنية مؤهلة ومميزة في القطاع الحكومي يكونون على أتم الاستعداد لتحمل مسؤوليات عظام تتناسب مع الاستحقاقات المستقبلية المعقدة.
- تكرار النجاحات والإنجازات: ولأن المثال الذي أتينا به في هذه المقالة هو مهرجان ظفار الدولي للمسرح، ولنقول إنه نجح في هذا العام، لكن يبقى التحدي أن نستضيفه العام القادم، إذا ما طبَّقنا مبدأ "التمويل المشترك"، فبكل تأكيد لن تكون في ظفار نسخة ثانية من هذا المهرجان فقط، بل سوف يسعى القائمون عليه إلى إضافة عناصر أخرى تسويقية وثقافية، تنقل هذا المهرجان من مجرد مهرجان إلى أداة تسويقية عن عُمان من ناحية، ويسعى كل الفنانين والمسرحيين من كل أنحاء العالم إلى المشاركة فيه، وسوف يحقق مؤشرات نجاح من كل الزوايا، وقس على ذلك المهرجانات والمعارض والبطولات والفعاليات الكبرى، وكل المبادرات النوعية التي لها صيت واستحسان إقليمي وعالمي.
- مبادرات تتجاوز الخطة السنوية: المقترح هدفه المبادرات النوعية غير المخططة في الخطة السنوية، ويمكن تبنيها من عدة جهات حكومية خاصة في الجانب المالي، وإن تم حصرها سوف يتبن أن الجهات الحكومية تجاوزت ما هو مطلوب منها سنوياً، ومتجاوزة الخطط الخمسية بنسب كبيرة جدا.
- الحوكمة: بمعنى أن جهة حكومية أولى تبادر ومن ثم تقود المبادرة، وجهات أخرى تدعمها ماديا ولوجستيا، وجهة أخرى تقيم، وترفع توصيتها بنعم أو لا، وجهة أخرى تشرف على صرف المبالغ، ومثل هذه الآلية توضح معنى كلمة "حوكمة" في أسهل صورة ومثال تطبيقي.
- الولاء والملكية (loyalty and ownership): عندما تتشارك ملكية مبادرة أو فعالية ما، وتظهر فيها شعارات أكثر من جهة، سوف تتيقن هذه الجهات أنها جزء من ملكية المبادرة أو أنها ضمن أصحاب المبادرة، فبكل تأكيد سوف تعطي هذا المشروع الولاء الكامل، وبالتالي سوف تسعى لضمان نجاحه واستمراريته.
يمكن تبني هذا المقترح مع وجود برامج وطنية عديدة بعد تعديله بما يتناسب مع الأطر الحكومية، ووضع الاشتراطات، وتحديد المدد الزمنية لتفادي البيروقراطية، وتوزيع المسؤوليات لتكون واضحة منذ البداية، ونسب المشاركة المالية، وطريقة صرف المبالغ، وطرق تقاسم المشاركة أن لم تكون هناك مالية، فلتكن لوجستية أو إعلامية، وغيرها من تفاصيل أخرى، وما نعتقد أنه صعب ومعقد ووزنه ثقيل، سوف يكون تطبيقه وتبنيه سهلًا وأثره عظيمًا.
