من يخدع من؟ والدولار في مواجهة بريكس

 د. جمالات عبد الرحيم

في اللحظة التي تجتمع فيها دول العالم لحضور مؤتمر الأمم المتحدة 2026، يوجد شي جين بينغ في البيت الأبيض  وليس في نيويورك؛ لأنه، بحسب هذا الطرح، يفهم لعبة أمريكا والفيتو لصالح إسرائيل.

وفي الوقت نفسه، يعلن ترامب حظر الطيران الإيراني ومنع تمويل الوقود، ويحذر أي دولة تفتح أجواءها أمام إيران، ويذكر كلمة الدولار كورقة ضغط؛ أي تهديد وهيمنة لا مثيل لها على الصين وعملتها ودول بريكس. فهل ما يحدث بسبب إيران أم لا؟

وأراد ترامب أن يعلن أنه لا فرق بين حضور شي في البيت الأبيض أو نيويورك، لأن الخيط الذي أوصله إلى الرئاسة، عن طريق حاكم الولاية الذي أطلق اسم ترامب على مطار في فلوريدا، يكشف ــ بحسب هذا الطرح ــ عن شخصية مغرورة ومدللة، وأن كل مرشحيه يهود صهاينة. كما يريد أن يضع صورته على عملة الدولار في النصف الثاني، لأن عملة الصين تقلل من هيبة أمريكا.

والآن الفخ الآخر، وهو أخطر فخ: ما يحدث في إثيوبيا واليمن، والقنوات التي كانت في يد مصر والعرب أصبحت تحت التخدير.

أولاً: فخ إثيوبيا.. سد النهضة ليس سداً.. هو مخدر

القناة التي كانت في يد مصر: نهر النيل، وحصة مصر البالغة 55.5 مليار متر مكعب وفق اتفاق عام 1959، والتي تعتمد عليها البلاد بصورة كبيرة في توفير احتياجاتها المائية.

التخدير: في 2 أبريل 2011، وُضع حجر أساس سد النهضة، الذي تبلغ سعته التخزينية نحو 74 مليار متر مكعب، وهي سعة كبيرة مقارنة بحصة مصر والسودان من مياه النيل. ونُسب إلى آبي أحمد قوله إن النيل لنا وإن مصر ستشتري المياه مثل النفط. ويُقال إنه ليس مسالماً حتى لو كان مسلماً. كما يُتهم بالمسؤولية عن مقتل مئات الآلاف في تيغراي، ويُشار إلى دعم إسرائيل لإثيوبيا، بما في ذلك منظومات دفاعية وقواعد في المنطقة. ويرى هذا الطرح أن إسرائيل وأمريكا تريدان بسط نفوذ استخباراتي على إثيوبيا للضغط على مصر، في إشارة إلى ما ورد في سفر إشعياء 19 بشأن جفاف المياه.

الفخ: الخلافات بين القوميات في إثيوبيا، مثل تيغراي وأورومو وأمهرة، يُنظر إليها في هذا الطرح باعتبارها مصطنعة، وأن أمريكا وإسرائيل تقفان وراءها. ويُقال إن الهدف هو إشغال إثيوبيا بالحرب الأهلية، فيما يبقى السد سلاحاً في مواجهة مصر.

وتبقى مصر ــ وفق هذا الطرح ــ تحت التخدير، إذ تتفاوض منذ سنوات، فيما أصبحت المفاوضات نفسها جزءاً من التخدير، حتى امتلأ السد مرات عدة من دون التوصل إلى اتفاق نهائي. ويُقال إن مياه مصر انخفضت بنحو 15 مليار متر مكعب، بينما تؤكد القاهرة أن الإجراءات الإثيوبية مخالفة للقانون الدولي، في ظل ما يوصف بأنه فيتو أمريكي يحمي إسرائيل.

ثانياً: فخ اليمن.. باب المندب ليس مضيقاً.. هو مخدر

القناة التي كانت في يد العرب: باب المندب، الذي يمثل ممراً مهماً لحركة التجارة الدولية، وبوابة بحرية إلى قناة السويس. ويذهب هذا الطرح إلى أنه إذا أُغلق باب المندب فإن حركة الملاحة عبر قناة السويس ستتأثر، بينما لن تولد قناة بن غوريون.

التخدير: حرب اليمن منذ عام 2015 وحتى اليوم، والتي استمرت أكثر من عشر سنوات، قُدمت على أنها حرب بين الحوثيين والحكومة الشرعية، بينما يصفها هذا الطرح بأنها حرب تخدير لإرهاق كل جيش حر، كما حدث ــ بحسب الرأي الوارد هنا ــ مع الجيش العراقي عام 2003 والجيش الليبي عام 2011 والجيش السوري عام 2011.

الفخ: يشير هذا الطرح إلى وجود قواعد أمريكية وإسرائيلية وإماراتية في سقطرى وميون وبالقرب من باب المندب، وإلى موانئ دبي في عدن، مع القول إن إسرائيل تريد جزيرة حنيش وأمريكا تريد الحديدة، بينما يقال إن الجميع يرفع شعار محاربة الإرهاب.

ويرى هذا الطرح أن الهدف هو إبقاء اليمن في حالة استنزاف، بحيث إذا جاء وقت حفر قناة بن غوريون يكون باب المندب تحت السيطرة، فلا يستطيع أحد منع مرور السفن الإسرائيلية أو إغلاق المضيق أمام الولايات المتحدة.

ثالثاً: القنوات التي كانت في يد مصر والعرب أصبحت تحت التخدير

قناة السويس: كانت تحت السيادة المصرية، وحققت إيرادات بلغت 10.25 مليار دولار في عام 2023. ثم جاءت حادثة السفينة «إيفر غيفن» عام 2021، التي أدت إلى توقف الملاحة في القناة لعدة أيام. وبعد ذلك تعرضت حركة الملاحة لاضطرابات بسبب هجمات الحوثيين على السفن في البحر الأحمر خلال 2024 و2025، وانخفضت الإيرادات بصورة كبيرة. ويشير هذا الطرح إلى وجود بدائل مقترحة، منها ما يسمى قناة بن غوريون ومشروع الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا (IMEC)، إلى جانب إدارة الإمارات لموانئ في حيفا، ويرى أن قناة السويس أصبحت تحت التخدير حتى يقال إن البديل أفضل.

نهر النيل: كان في يد مصر والسودان، واليوم أصبح ــ وفق هذا الطرح ــ تحت التخدير بسبب سد النهضة.

باب المندب: كان في يد اليمن ومصر، واليوم أصبح ــ وفق هذا الطرح ــ تحت التخدير بسبب الحرب في اليمن.

مضيق هرمز: كان في يد إيران وعُمان، ويمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية. واليوم أصبح ــ بحسب هذا الطرح ــ تحت التخدير بسبب القيود المفروضة على الطيران الإيراني، ومنها ما أُعلن بشأن شركة «ماهان إير» في 24 سبتمبر 2026، والتحذيرات المتعلقة بفتح الأجواء أمام إيران. فهرمز ــ وفق هذا الطرح ــ مخدر.

غاز غزة مارين: كان في يد الفلسطينيين، وتُقدّر احتياطياته بنحو 1.4 تريليون قدم مكعبة وفق تقديرات متداولة. واليوم أصبح ــ وفق هذا الطرح ــ تحت التخدير بسبب حرب غزة ومشروع «ريفييرا غزة» الذي طرحه ترامب، وصولاً إلى الحديث عن السيطرة على موارد الغاز.

كل القنوات التي كانت في يد مصر والعرب أصبحت، وفق هذا الطرح، تحت التخدير؛ تخدير اسمه: مفاوضات السد، حرب اليمن، حرب غزة، حظر الطيران، الدولار، الفيتو، ومطار باسم ترامب.

وتُطرح كذلك فكرة وضع صورة ترامب على الدولار، في الوقت الذي يُقال فيه إن عملة الصين ستقلل من هيبة أمريكا.

والدليل ــ وفق هذا الطرح ــ أنهم تحت التخدير

مصر تتفاوض على السد وهي عطشى، واليمن يحارب بعضه، وباب المندب أصبح ساحة للصراع، والخليج ــ بحسب هذا الرأي ــ الغافل عن اتفاقات أبراهام من أجل الحماية أو الشرق الأوسط الجديد أو الاستثمارات، قد يدفع 55 مليار دولار ثمناً لقناة يُقال إنها ستحل محل قناة السويس.

وفلسطين تُمحى ــ وفق هذا الطرح ــ ليُحفر مكانها طريق مائي، وإيران تُحاصر لأنها تحمي هرمز، والصين تستضيف في البيت الأبيض بينما تجمع دول بريكس في نيويورك.

فأين المحاسبة؟ وأين التحقيقات التاريخية مع ترامب، حتى لا يغفل شي أو يغفل العالم، وحتى لا يصبح العالم ملكاً لهم عن طريق الأمم المتحدة؟

المحاسبة أن نوقظ المخدر

نوقظ مصر: النيل ليس سلعة؛ فالمياه مثل الروح، ومن يقول «اشتروا المياه» ــ بحسب هذا الطرح ــ لا يقدم طرحاً مسالماً.

نوقظ اليمن: باب المندب ليس مجرد حرب بين الحوثيين والشرعية؛ باب المندب مرتبط بقناة السويس، كما يرتبط ــ وفق هذا الطرح ــ بمشروع قناة بن غوريون.

نوقظ العرب: القنوات التي كانت في أيديكم أصبحت تحت التخدير؛ تخدير الدولار والفيتو. وقد تقلل عملة الصين من هيبة أمريكا، لكن إذا بقيتم تعملون خداماً للدولار في الخليج ودول العالم، مثل الفلبين التي خضعت لنفوذ أمريكي كبير ــ بحسب هذا الطرح ــ فستبقون مخدرين.

الكعبة والإسلام

والكعبة من علامات الساعة، ويرى هذا الطرح أن الصهاينة يريدون هدمها حتى يدخل الناس في ملتهم ويتركوا الله ورسوله، وأن هدم الكعبة يبدأ بهدم القنوات: هدم النيل، وهدم باب المندب، وهدم غزة، ثم هدم مكة.

أليس التحريض ضد الكعبة قد أتى ــ للأسف ــ من السيدة المصرية نوال السعداوي، التي كان لها كتاب عام 1980 بعنوان «المرأة والجنس»؟ فقد نُسب إليها فيه وصف بعض طقوس الحج بأنها طقوس وثنية، كما أثيرت تصريحات أخرى لها حول الطواف والحجر الأسود.

وقالت في حوار مع جريدة «المصري اليوم» عام 2007، رداً على سؤال عن الحج، إنه عادة وثنية، وعن الطواف حول الكعبة والصَّفا والمروة قالت إنها بقايا أساطير.

وإذا عدنا إلى القرآن الكريم، نجد قوله تعالى في سورة الحج، الآية 29: «وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ»، كما أن الصفا والمروة من شعائر الله عز وجل.

ويرى هذا الطرح أن هذه الأفكار كانت جزءاً من خطة لإسقاط الإسلام وتفريغه لخدمة أجندات أمريكية وإسرائيلية.

وكيف يمكن إجراء حوار مع نوال السعداوي على قناة ON مع يوسف الحسيني، وتقول فيه إن الكعبة وثنية، أو تتحدث عن تغيير نصوص القرآن؟

وقد حدث بالفعل أن طبعت دول عربية علاقاتها مع الاحتلال الإسرائيلي. فلماذا لا تتحدث عن الصهاينة والأشياء التي يقبلونها ويقتلون في سبيل المسجد الأقصى وهدم الإسلام، ولو بكلمة واحدة؟

للأسف، أين من يدفع هؤلاء في مصر، بلد الحضارة والأزهر والنيل والعلم؟ ولماذا لا يحاسب المسؤولون في أرض مصر هؤلاء؟ أم أنهم يقولون: حرية المرأة؟ فأي حرية هذه لبعض النساء اللاتي يهاجمن الإسلام في مصر، أم الدنيا وقلب العروبة؟

فأين الدول التي جمعتها السعودية لحماية الكعبة؟ وهل أمريكا وإسرائيل أو الغرب هم من سيحمون الكعبة أو سيحررون عقول البشر؟

أليس التعليم مهماً؟ لقد حث الله على العلم، والإسلام هو الذي حرر المرأة، وحرّم وأد البنات، وأنزل الله سورة التكوير، وجاء فيها: «وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ».

والموءودة هي البنت التي كان بعض العرب يدفنونها حية، ولا يخشون الله عز وجل، لأنهم كانوا يعبدون في أيام الجاهلية أوثاناً لا تضر ولا تنفع.

وتشير الروايات التاريخية إلى ممارسة وأد البنات لدى بعض القبائل العربية، كما ارتبطت هذه الممارسة بالسياق الاجتماعي في الجاهلية.

وكيف في هذا الوقت يريد أعداء الإسلام، بحسب هذا الطرح، قتل المسلمين وتفريق العرب والطعن في الإسلام؟

وتُنسب إلى ترامب ووزير الدفاع الأمريكي تصريحات بشأن قتل السنة والشيعة لحماية أمن إسرائيل. فهل المسلمون جبناء إلى هذه الدرجة حتى يسمعوا هذه التصريحات ويوافقوا على اتفاق أبراهام الذي صدر ــ بحسب هذا الطرح ــ عن رؤساء متهمين بارتكاب جرائم حرب؟

ومن يؤيد ذلك ــ وفق هذا الطرح ــ يصبح شريكاً في الجريمة ضد أهالي فلسطين والمسلمين في جميع بقاع الأرض.

إن مخططات الصهاينة ــ كما يرى الكاتب ــ لا تخفى على الله.

فأين أصحاب العقول السليمة من أجل أمن وسلامة العالم العربي، الذي هو حديث الساعة؟

كانت أمة الإسلام في عهد عمر بن الخطاب تصدر القوانين إلى العالم كله، فأصبح اليوم أعداء الإسلام ــ وفق هذا الطرح ــ هم من يضعون القوانين ويتهمون الإسلام بالإرهاب، من أجل أن تهيمن أمريكا وإسرائيل ودول الغرب.

والآن، بحسب هذا الطرح، يتصارع الأعداء على هدم الكعبة، قبلة المسلمين، لأن الأمة العربية والإسلامية متفرقة. ولو كانت أمة واحدة، لما استطاع أحد، مثل ترامب، أن يقول إنه سيغلق المطارات التي تفتح أجواءها أمام الشعب الإيراني، ولكي يسمع من يقول «نعم» أو «لا» لأي قرار يصدره.

لأن الله تعالى هو رب العالمين.

وقد ورد في التراث الإسلامي ما يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من وصية بأهل مصر وجندها خيراً، كما ترد عبارة «هم خير أجناد الأرض» في بعض الروايات التي اختلف أهل الحديث في درجة صحتها.

فوق كل تخدير: الله.
وفوق كل فيتو: الله.
وفوق كل دولار عليه صورة: الله.
وفوق كل بيت أبيض 🌴: الله.

والقانون لا يحمي مغفلين.

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z