حمد الناصري
اختلفت المصادر التاريخية وتباينت آراؤها وجدليتها حول تحديد تاريخ دقيق لتأسيس دولة البوسعيد، وكان أهم نقاط الخلاف يدور حول البداية الفعلية لعهدها الجديد. وحسب المصادر العُمانية المعتمدة، فإن الإمام أحمد بن سعيد كان قد بدأ مشواره السياسي واليًا على صحار في أواخر عهد الدولة اليعربية.
وتشير المصادر إلى أن مؤسس دولة البوسعيد، الإمام أحمد بن سعيد، كان يُلقب بـ«المتوكل على الله». وقد استطاع بحنكته الفذة أن يُخرج البلاد من محنتها وحروبها الداخلية واختلافاتها، وينتشلها من واقع الضعف والوهن الذي جثم عليها لسنوات، دافعًا بالحياة الاجتماعية نحو التآلف والتقارب، مُباعدًا إياها عن الانقسامات القبلية، ومحافظًا على مصالح العباد.
واهتم المتوكل على الله، الإمام أحمد بن سعيد، بالبنية الاجتماعية، وأرسى قواعد المصير الواحد لعُمان، مستنهضًا همم الشعب العُماني لحماية أنفسهم والدفاع عن ديارهم، مسترشدًا بالهدي القرآني في قوله تعالى: «قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين»، ومنطلقًا من القاعدة الفقهية العظيمة: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح». وبهذه الرؤية الحصيفة، حارب المعتدين والغزاة، ودرأ شرور الطامعين، وعمل بجد واجتهاد ومثابرة لتوحيد البلاد، شرقها بغربها وشمالها بجنوبها.
وكانت هذه الحكمة البالغة، بسمو رفعتها، لغةً واحدةً مشتركة وحّدت العُمانيين على كلمة سواء، وجمعتهم على صوت واحد يُعلن نبذ الانقسام والاختلاف، وأصرّ على إنهائهما بأي قوة وثمن؛ فهما أولًا وأخيرًا يتعارضان مع سمو الأخلاق العُمانية. وكان هذا الصوت القوي يمثل الضمير البوسعيدي القادم من صحار؛ جوهرة البحار ولؤلؤة الصمود العُماني، إذ عزّ على الفرد العُماني الحصيف أن يأتيه باطل الانقسامات من تحته ومن فوقه ومن حيث لا يدري، بعدما آلت إليه الأحوال سابقًا من سوء وضعف وتشرذم، فكان هذا الضمير يحمل الندم والحسرة، مستنهضًا العقلية العُمانية للتمييز بين الخطأ والصواب، وبين الحق والباطل.
الإمام أحمد بن سعيد وبداية جمع الشتات والتحالف الوطني
إن التفكك والتشرذم، عباراتٌ مدوية، حملت الوالي الصحاري أحمد بن سعيد إلى المقاومة الشرسة، وبعد انتصاره العظيم، عده العُمانيون مفخرة وعزًا ورفعة وكبرياء وشموخًا. فاجتمع بشيوخ القبائل والعلماء والفقهاء وذوي الرأي السديد من أعيان البلاد، وطلب منهم أن يكونوا جسدًا واحدًا وقوةً واحدةً وسيفًا مسلطًا على أعدائهم.
وبهذه القوة المتينة، نجح في جمع شتات العُمانيين وأنهى انقساماتهم، وأبعد عن عُمان ما يهدد سلامة البلاد وأمنها. وقد تحمل رجال عُمان المسؤولية جميعًا، وبهذا الاجتماع الأهم في تاريخ البلاد، أجمع الحاضرون على تنصيبه إمامًا عليهم، فبايعوه بالعهد والوفاء. ومن هذه اللحظة الشامخة، تُعد بداية تأسيس دولة البوسعيد؛ فأحمد بن سعيد، الوالي الصحاري، أصبح الإمام المؤسس لدولة البوسعيد والإمام المخلّص لعُمان.
أهم أعمال الإمام أحمد بن سعيد بعد مبايعته
نجح الإمام أحمد بن سعيد في وضع لبنات الدولة المستقرة من خلال حزمة من الإصلاحات والإنجازات الشاملة، تمثلت في الآتي:
القضاء على الفتن الداخلية، وتوحيد القبائل العُمانية، وجمع كلمتهم على هدف واحد، وهو مصلحة عُمان العليا.
بسط لواء الأمن والاستقرار في ربوع البلاد، فلم تعد هناك قبيلة تسطو على أخرى كما كان سائدًا في عهود الفوضى.
التأسيس لقوة تنفيذية (شرطة) تقوم بدور الحفاظ على الأمن الداخلي، ورعاية مصالح الناس، وضمان استقرارهم اليومي.
إنشاء جيش نظامي قوي ومحترف، مكوّن من خيرة شباب القبائل العُمانية بمختلف فئاتهم، وجعل حصن الرستاق مركزًا لإدارة هذه القوات ونواةً لبيت المال.
الأمر بتشييد وبناء سفن حربية عديدة، واضعًا بذلك نواة أسطول بحري ضارب وفّر لعُمان المنعة والقوة المهيبة في أعالي البحار.
إيجاد نظام مالي متطور لتحصيل الضرائب والرسوم، حيث فرّق بذوق سياسي واقتصادي بين الرسوم الجمركية، فجعلها على السلع المستوردة، وأعفى منها السلع العُمانية، وهو ما شكّل تحفيزًا اقتصاديًا قويًا ثمّن العُمانيون أثره ودعم بضائعهم المحلية.
تشجيع حركة التجارة والملاحة مع دول البحر المفتوح، «بحر عُمان الشرقي»، وخاصة مع الهند وشرق إفريقيا، مستفيدًا من الصلات والعلاقات التاريخية الممتدة لعُمان في تلك الأقاليم.
تشجيع وتوطيد نظام قضاء عادل ومستقل، يضمن رعاية حقوق الناس وإقامة الحدود بالعدل داخل البلاد.
الاهتمام بالجوانب العمرانية والمدنية والعسكرية؛ فأنشأ المساجد والبيوت الكبرى والقصور، وشيّد القلاع والحصون المنيعة لتكون دروعًا واقية ودفاعية للبلاد.
أهم نشاطات الإمام أحمد بن سعيد البحرية
فرض النفوذ البحري العُماني بقوة في الخليج العربي والبحر المفتوح، عبر تأمين خطوط الملاحة وحماية طرق التجارة الدولية.
مقاومة الوجود الفارسي بنجاح، وتطهير الثغور العُمانية منهم، وملاحقتهم في عمق الخليج العربي لضمان سلامة الشواطئ.
تلبية استغاثة أهل البصرة والخلافة العثمانية عندما فرض الفرس حصارًا خانقًا على البصرة؛ حيث سارع الإمام عام 1775م إلى إرسال حملة بحرية قوية نجحت في فك الحصار ودحر الفرس عن المدينة عام 1776م. وتقديرًا لهذا الصنيع البطولي العظيم، بادر السلطان العثماني، بطلب من واليه في البصرة، بصرف مكافأة (خراج سنوي) تقديرًا لموقف الإمام أحمد بن سعيد، واستمرت هذه العطايا لسنوات طويلة، مجسدةً عمق الصلات والتواصل التجاري والسياسي بين موانئ عُمان وحواضرها وميناء البصرة، الذي كان مركزًا حيويًا لتجمع السلع وإعادة تصديرها.
عهد الاتفاقيات في عهد الإمام أحمد بن سعيد
وتقديرًا لهذه القوة البحرية العجيبة والمهيبة التي أثبتت بها عُمان تفوقها التاريخي، أعرب نواب الهند (حكام حيدر آباد) عن امتنانهم الكبير للإمام أحمد بن سعيد، فأرسلوا مبعوثًا رسميًا له إلى عُمان لتنسيق العلاقات، وعقدا اجتماعًا في مسقط تمخض عن توقيع «اتفاقية مسقط والتحالف المشترك».
وبموجب هذه الاتفاقية، تقرر دعم الإمام أحمد بن سعيد بمخصصات مالية وعلاقات تجارية وثيقة، تؤازره ضد أعدائه، بالإضافة إلى تأسيس بعثة ممثلة لحكام النواب، تقيم بصفة دائمة في مسقط؛ حيث اتخذت من مبنى شهير عُرف في الذاكرة التاريخية بـ«بيت النواب» مقرًا لها، ليكون هذا البيت شاهدًا حيًا على حجم النفوذ الدبلوماسي وعمق الروابط السياسية والاقتصادية التي نسجتها دولة البوسعيد بقوتها وعقليتها البحرية المسيطرة على واجهتها البحرية الشرقية وبحارها العميقة.
ومثّلت هذه الاتفاقية والروابط الخارجية قوة مضافة للإمام أحمد بن سعيد في تدعيم أركان دولته، إلا أن التحدي الأكبر كان يكمن في كيفية صياغة وفاق داخلي ينهي عقودًا من التشرذم والحروب الأهلية.
المسار الدستوري والفقهي في عهد الإمامة البوسعيدية
أما الاتجاه الآخر، وهو المسار الدستوري والفقهي المعتمد في المراجع العُمانية الأم، فيرى أن تاريخ التأسيس الحقيقي والدقيق للدولة لا يتحقق إلا باكتساب الشرعية السياسية الكاملة، وهي اللحظة الشامخة التي اجتمع فيها أهل الحل والعقد من كبار العلماء والفقهاء وشيوخ القبائل في الرستاق عام 1749م، حيث أجمعوا كلمتهم وبايعوه إمامًا شرعيًا على عامة عُمان؛ وبذلك تحول أحمد بن سعيد من صفة القائد العسكري والوالي الحامي للثغور قبل الانتخاب، إلى صفة الإمام المؤسس لدولة البوسعيد والجامع لشمل الأمة بعد الانتخاب، وهو التاريخ الأقوى رسوخًا في الضمير التاريخي العُماني.
ومن أبرز المؤرخين الموثقين لهذا المسار الشيخ سرحان بن سعيد الأزكوي في كتابه «كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة»، الذي يعتبره المؤرخون درة المخطوطات العُمانية والمصدر الأول والرئيس لتاريخ عُمان عبر العصور، والذي وُضعت نواته ومسوداته الأولى في تلك الحقبة التاريخية.
وفي مقابل ذلك، يؤكد الشيخ نور الدين عبد الله بن حميد السالمي، رحمه الله، أن دولة البوسعيد استقرت مركزيتها فعليًا عام 1757م، إذ يرى أن فوضى الانقسامات وبقايا التمرد لا تدخل حيز إقامة الإمامة الشرعية؛ فالانقسامات تعني غياب المركزية، وغياب المركزية يعني عدم تحقق إمامة فعلية ولا سيادة كلية مستقرة على سائر أرجاء البلاد، وهو ما لم يتحقق كاملًا إلا في ذلك التاريخ.
ولا تزال جدلية تاريخ إمامة الشيخ الوالي الصحاري أحمد بن سعيد قائمة، وتوسعت في كتابات الباحثين، نظرًا لظهور أكثر من رأي، وتداخل المصالح والنزعات القبلية في تلك الحقبة الصعبة؛ وبهذا الجدل الواسع، اختلفت المصادر أيضًا في بيان التكوين الفعلي للقيادة المركزية واستقرارها.
وأخيرًا، وباختصار شديد، ولسد هذا الجدل التاريخي القائم حول تباين التواريخ بين المدارس الفقهية والسياسية، وضع حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد، طيب الله ثراه، حدًا حاسمًا لهذه الجدلية؛ حيث أصدر توجيهاته السامية باعتماد عام 1744م، وتحديدًا العشرين من نوفمبر 1744م، تاريخًا رسميًا لتأسيس دولة البوسعيد في سلطنة عُمان؛ تأكيدًا على أن لحظة التحرير وطرد الغزاة الفرس ومبايعة الإمام المؤسس أحمد بن سعيد في الرستاق هي نقطة التحول التاريخية والمخاض الشرعي الذي التفّت حوله الأمة العُمانية لتبدأ مسيرة مجدها الحديث.
قراءة الشاهد المعاصر لتاريخ الدولة البوسعيدية في بحث الأكاديمي الدكتور محمد الشعيلي
يرى الباحث في التاريخ العُماني الدكتور محمد بن حمد الشعيلي ما تراه المصادر المعتمدة، ولا يختلف عنها كثيرًا، لكن تحليله يتجسد بعمق في تفكيك أحداث إمامة الشيخ محمد بن ناصر الغافري وعلاقته مع بني هناة، وأثر ذلك على القيادة المركزية في الرستاق، حيث قال في مطلع حديثه وسرده التاريخي للأحداث:
«إن عصر الأئمة الخمسة الأوائل من هذه الدولة اليعربية يعد بمثابة عصرها الذهبي، بداية بالمؤسس ناصر بن مرشد، مرورًا بخلفه سلطان بن سيف الأول وابنيه بلعرب وسيف، وانتهاء بسلطان بن سيف الثاني. وبعد وفاة الإمام سلطان بن سيف الثاني في أبريل من عام 1719م، دخلت الدولة اليعربية مرحلة خطيرة جدًا».
وشبّه الدكتور الشعيلي هذه الحقبة المريرة بالنفق المظلم الذي لم يرَ النور في نهايته إلا بخسارة الدولة اليعربية لسيادتها نتيجة التطاحن القبلي، وانتقال الحكم إلى أسرة البوسعيد بزعامة الإمام أحمد بن سعيد، الذي تمكن بحكمته وعقليته البحرية والسياسية الفذة من انتشال عُمان من هذا النفق وإعادة بناء كيان الدولة المركزية.
آلية الاستخلاف في العقيدة العُمانية
وعند بداية ضعف الإمام محمد بن عبد الله الخليلي وابتلائه بأمراض الشيخوخة في آخر سنوات حياته، ارتأى بعض العلماء أن يعملوا بسنة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وهي البحث عمن يخلف الإمام بآلية الاستخلاف والشورى قبل وفاته، لضمان وحدة الصف وحقن الدماء.
وبناءً على هذا المقصد الشرعي، بحث أهل العلم والفضل في الأمر بشكل حثيث للاستقرار على من يتحمل هذه المسؤولية الجسيمة، ويكون قادرًا على القيام بأعبائها بموجب شروط الإمامة المعتمدة؛ فبرزت في ساحة الترشيح والاستخلاف أسماء أربع شخصيات من خيرة رجالات عُمان آنذاك، وهم كالتالي:
الشيخ عبد الله بن سالم الخروصي، والي نخل، وهو الابن الثاني للإمام الراحل سالم بن راشد الخروصي.
الشيخ سيف بن راشد المعولي، وكان قاضيًا مشهودًا له بالفضل في عهد الإمام الخليلي.
الشيخ أحمد بن ناصر السعيدي، والي بدبد والمقرب من حياض العلم والعلماء.
الشيخ غالب بن علي الهنائي، قاضي جعلان والمساعد النائب للإمام الخليلي في نزوى، وابن واليه الشيخ علي بن هلال الهنائي.
ورغم التباين الطبيعي في تداول قرار الاستخلاف بين المدارس الفقهية، فقد استقر رأي الشيخ الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، وهو في مرضه وشيخوخته، وتوافق معه رأي كبار العلماء وأهل الحل والعقد، على تقديم الشيخ غالب بن علي الهنائي ليكون إمامًا على عُمان؛ إذ كتب الإمام الخليلي رأيه الفاصل في وثيقة الاستخلاف التاريخية كالتالي:
«هذا ما أقوله وأنا إمام المسلمين محمد بن عبد الله، إني قد رجعت عن استخلاف الولد عبد الله بن الإمام سالم، لأني رأيت فيه ضعفًا وإحراضًا، وذلك مخالفة للمقصود من أمر الخلافة، لأن أمرها متين، كما قال عز وجل: (إن خير من استأجرت القوي الأمين)، وإني قد نظرت في أمر المسلمين مجتهدًا لله وللمسلمين، ورأيت في غالب بن علي هو القوي في دينه والعدل في إمامته، فجعلته الخليفة على أمر المسلمين من بعدي، مقتديًا في الاستخلاف بأبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب».
وبهذا النص الشرعي المحكم، التفّت حول الشيخ غالب بن علي الهنائي كلمة الجماعة، وساروا إلى ما وجّههم إليه إمامهم، لما وجدوه فيه من اعتبارات وصفات مكينة أهلته للمقام، وفي مقدمتها القوة والعدل والأمانة والقدرة على إدارة البلاد وحماية حياضها.
ولاحظ هنا أن أصل الاستخلاف في الإمامة كان موجهًا أول الأمر إلى الشيخ عبد الله بن الإمام سالم بن راشد الخروصي، لأن شروط الإمامة كانت تنطبق عليه وتتطابق مع شخصيته في كل شيء، لكن الإمام الخليلي كان له رأي آخر مبني على المصلحة الشرعية العليا، بعد عارض المرض الذي أصاب الشيخ عبد الله.
وعقب وفاة الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، وتحديدًا في سنة 1954م، وهي الإمامة التي استمرت زهاء خمسة وثلاثين عامًا هجرية، يُذكر أن عمره عند توليه زمام القيادة والإمامة في عُمان كان في العقد الرابع من عمره. وقبل مواراة الجثمان الثرى والدفن، حضر جمع غفير من الناس وأهل الحل والعقد، وخُطب فيهم بتولي الشيخ غالب بن علي بن هلال الهنائي إمامًا شرعيًا على عُمان. وكان هذا اليوم التاريخي المشهود يوافق نهار التاسع والعشرين من شهر شعبان لسنة 1373هـ، الموافق للثالث من مايو عام 1954م.
خلاصة القول
يقودنا استقراء المسارات التاريخية التي عالجها هذا المختصر، «مختصر الدولة العُمانية من النباهنة إلى البوسعيد»، في فصوله الثلاثة، إلى استنتاج كلي يؤكد أن الدولة العُمانية الحديثة لم تكن وليدة لحظة سياسية طارئة، بل هي نتاج تراكمي وتدافع مستمر قادته العقلية العُمانية عبر حقب النباهنة واليعاربة والبوسعيد، حيث سلّمت كل حقبة منها راية السيادة والبناء للتي تليها، لتكتمل لوحة الكيان الوطني.
وتتجسد المحصلة النهائية لهذا المختصر التاريخي في أن الضعف والوهن والتشظي الذي أصاب عُمان في بعض فترات عهد النباهنة الأوائل والمتأخرين، لم يكن دليلًا على انقطاع العطاء الحضاري، بل كان مخاضًا داخليًا تبلور على إثره الضمير السياسي والشرعي لرجالات البلاد؛ فكان عهد اليعاربة هو الرد الوطني الحاسم الذي نقل عُمان من التشتت والاحتلال البرتغالي الساحلي إلى وحدة مركزية صلبة أسست لأول أسطول بحري ضارب، فرض هيبته الإقليمية.
وحين دارت الدائرة العاصفة بالحرب الأهلية اليعربية، ودخلت البلاد نفق الفوضى واستدعاء الغزاة الفرس، انبعثت العبقرية العُمانية مجددًا في شخصية الإمام أحمد بن سعيد، الذي لم يكتفِ بتطهير الثغور وطرد المحتل، بل حوّل هذا الانتصار العسكري إلى مشروع دستوري وسياسي أرسى به دعائم دولة البوسعيد، ممهدًا الطريق لقفزة إمبراطورية عالمية قادها الأبناء والأحفاد، وصاغت مجد عُمان البحري والدبلوماسي الممتد في آسيا وإفريقيا، وصولًا إلى تكامل جغرافية الساحل والداخل وتماسك الجبهة الداخلية في منعطفات القرن العشرين.
إن الأثر الباقي والنتيجة الكبرى من وراء هذا المختصر هي إثبات أن الجغرافيا السياسية لعُمان المعاصرة، بحدودها، وأصالة فكرها الشوري، وعمق صلاتها الدولية، وحصانتها اللغوية والثقافية المستندة إلى إرث الخليل بن أحمد الفراهيدي ورجالات العلم والفضل، هي ثمرة مباشرة لتجذر العقلية البحرية والسياسية العُمانية وقدرتها الفذة على النهوض من ركام المحن والفتن، لإعادة صياغة التاريخ وبناء الدولة المنيعة المستقرة.
