مقتل الشيخ صالح بن علي الحارثي.. وثيقتان وشاهد من الماضي

 

سلمى البطاشية

ليست كل صفحات التأريخ محفوظة في بطون الكتب، فبعضها يظل حبيس أوراق طواها الزمن، لا تستعيد صوتها إلا حين تمتد إليها يد الباحث، فتزيح عنها غبار السنين، وتعيدها إلى دائرة الضوء، ومن بين تلك الشواهد وثيقتان لم يسبق نشرهما، تتناولان حادثة مقتل الشيخ صالح بن علي الحارثي، إحدى الوقائع التي بقيت حاضرة في الذاكرة التأريخية العُمانية.

وتنبع قيمة هاتين الوثيقتين من كونهما تمثلان شهادة أصيلة تستحق التأمل لا لإعادة سرد الحدث فحسب، بل لقراءة تفاصيله في ضوء ما أثبتته الوثيقة نفسها، وما يمكن أن تضيفه إلى الرواية المدوّنة. ومن هذا المنطلق يأتي هذا المقال ليقدم هاتين الوثيقتين إلى الباحثين والمهتمين، ويستعرض ما ورد فيهما، ويقف عند دلالاتهما، في محاولة لإبراز شاهد ظل بعيدًا عن النشر، حتى آن أن يرى النور. وقبل الوقوف عند ما تكشفه الوثيقتان من دلالات، يحسن التعريف بالشخصية التي دارت حولها أحداثهما. فالشيخ صالح بن علي بن ناصر الحارثي يُعد من أبرز الشخصيات العُمانية في عصره، وكان له حضور بارز في الشأن العام، وأسهم بدور مُؤثر في مجريات الأحداث التي شهدتها البلاد، حتى غدا مقتله من الوقائع التي استوقفت المؤرخين، وتناقلتها المصادر، لما ترتب عليها من آثار سياسية واجتماعية امتد صداها إلى ما بعد وقوعها. وقد وردت أخبار الشيخ صالح بن علي الحارثي رحمه الله في عدد من المصادر والمراجع التي تناولت أحداث تلك المرحلة، وحفظت جانبًا من سيرته وما اتصل به من أحداث، ومن المُفيد الوقوف عند ما أورده كتاب "نهضة الأعيان بحرية أهل عُمان" لأبي بشير محمد شيبة بن نور الدين عبد الله السالمي، الذي حفظ جانبًا من سيرته وما اتصل به من أحداث، كان هذا الشيخ أحد أقطاب الدولة، الذين دارت عليهم شؤون مملكة الإمام عزان بن قيس، وكان يقود الجيوش فيُهاجم بها سلطنة مسقط في عاصمتهم، وهاجمهم مرارًا.

والوقائع والحروب التي دارت بينهم مشهورة، وأوتي حظًا عظيمًا، وهيبة صدع بها قلوب المارقين، وكان يحاول إعادة الإمامة في عُمان، وقد رشح لغرضه السيد سعود بن الإمام عزان بن قيس رضي الله عنهما فلم يكن يفارقه في غزواته رجاء أن ينال فرصة لأخذ البيعة له إذا فتح بعض المعاقل فما قدر الله. وقد شهدت حياة الشيخ صالح رحمه الله عددًا من الحروب والوقائع، ومن بين هذه الأحداث تأتي واقعة مقتله، التي شكّلت خاتمة حياته: ثم خرج إلى اللجيلة، وهي مركز بني جابر، وكان من أهلها في ذلك الوقت أنصار السلطان، وكانوا أشد نكاية عليه في مهاجمته لمسقط، فحمل عليهم بجيشه في أول النهار من اليوم السادس من شهر ربيع الأول سنة 1314، فأصيب- رحمه الله- برمية في فخذه اليسرى عند أول الحملة، فبقي جريحًا إلى قرب العصر من ذلك اليوم، فهاجرت روحه الكريمة إلى ربها بعد ما أقر الله عينه في خصمه بدخول بلادهم، وحمل أعيانهم على الأصفاد، وأمر ابنه الشيخ عيسى بحمل والده الشهيد فدُفن- رحمه الله- بشرجة الإبراهيمية من علاية سمائل.

ومن بين الأوراق القديمة التي حفظها سيدي الوالد الشيخ القاضي سيف بن حمود البطاشي وهي بقلم لأحد أجدادي، وهو الشيخ سيف بن مهنا بن حبيب البطاشي رحمها الله، عثرتُ على وثيقتين تتصلان بخبر مقتل الشيخ صالح بن علي الحارثي رحمه الله، وقد لفتتني تفاصيلهما بما تحملانه من معلومات؛ فالوثيقة الأولى تسجل خبر وتأريخ مقتله بينما تتضمن الثانية، إلى جانب خبر الواقعة، أخبارًا عما أعقبها من نهب وغلاء، وتذكر أسعار عدد الأقوات وما طرأ عليها من تغير ومُقارنتها بما كانت عليه قبل الحادثة. وأثناء قراءة الوثيقة ومقارنتها بما ورد في المصادر، استوقفتني مسألة تأريخ مقتل الشيخ صالح، فقد جاء في تدوين الجد أن الواقعة كانت في شهر ربيع الآخر، وهو التأريخ نفسه الذي وجدته مثبتًا في "الموسوعة العُمانية"، بينما تورد مصادر أخرى أنها كانت في ربيع الأول كما جاء في "نهضة الأعيان"، ومن بين هذه الروايات تقف الوثيقة شاهدًا آخر، تضيف إلى ما هو متداول تأريخيًا يستحق أن يُقرأ ويقارن.

ولعل خير ما يستهل به هذا التحقيق هو قراءة ما أثبتته الوثيقتان نفسيهما؛ إذ تبقى الوثيقة أصدق شاهد على زمنها، وأقرب إلى نقل الوقائع كما دوّنت ومن اللافت أن إحدى الوثيقتين لم تكتب في ورقة مستقلة؛ بل في آخر أحد الكتب:

الوثيقة الأولى: (قتل الشيخ صالح بن علي بن ناصر الحارثي في الجيله ضحى يوم الأربعاء من سابع ربيع الآخر سنة 1314 كتبه العبد لله سيف بن مهنا بن حبيب البطاشي بيده الفانية).

وثائق (1).jpeg
 

الوثيقة الثانية: (قتل الشيخ العالم الورع النّزيه صالح بن علي بن ناصر الحارثي بسبب دخوله بلد الجيله بوادي سمائل وخربوها ودمروها عن آخرها لنار ما زرعوا وللنهب ما جمع في سنة 14. بلغ بعد قتله غلا المعاش الجونية 12 قرش... الجراب السح 4 قروش والديار شداد ومن قبل هذا الجونية 6 قروش أو خمسة قروش واللحم طنّ بعض.. 4 قروش ومن قبل قرشين دون قرش ونصف السمن في زماننا 8 كيسات بقرش وجد الغلا 3 كياس بقرش والقاشع منّ بقرش آخر زماننا ولأول زماننا 7 منان بقرش والقرش كسره وجدنا صرفين بلغ رخص القرش مية و10 بيسات وبعد وصل ميتين بيسة).

وثائق (2).jpeg
 

وهذا الربط بين الحدث السياسي والواقع الاقتصادي يكشف جانبًا مهمًا من منهج كاتب الوثيقة؛ إذ لم ينظر إلى المقتل بوصفه واقعة منفصلة، وإنما بوصفه حدثًا ترك أثره في المجتمع، حتى أصبح تغيّر الأسعار جزءًا من الرواية التي رأى ضرورة إثباتها. ومن هنا تكتسب هذه الوثيقة قيمةً إضافية، لأنها لا تؤرخ لحادثة بعينها فحسب؛ بل ترسم صورة لأحوال الناس في تلك الفترة، وتقدم للباحثين مادة نادرة لفهم انعكاسات الأحداث الكبرى على الحياة اليومية.

إن نشر مثل هذه الوثائق ليس مجرد استعادة لنصوص مضت؛ بل هو أحياء لشواهد بقيت تنتظر من يقرأها ويضعها في سياقها الصحيح. فكم من ورقة محفوظة في بيت، أو بين دفاتر الأجداد، قد تحمل تفصيلًا صغيرًا يعين على فهم حادثة كبيرة، أو يصحح تأريخًا، أو يكشف جانبًا من حياة الناس لم تحفظه الكتب.

ومن هنا تبرز أهمية العناية بالوثائق العُمانية وحفظها ونشرها، لتظل صلة بين الأجيال، ومصدرًا أصيلًا يعين الباحثين على قراءة الماضي وفهم تفاصيله، ويصون ما تركه السابقون من شواهد لا تزال قادرة على أن تضيف شيئًا إلى حاضرنا ومعرفة بتأريخ وطننا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z