ريتّا دار
أعتقدُ أن الخلاف بين الرجل والمرأة لُغويّ في جزء كبير منه، وأن البشرية ربما أنفقت أموالًا طائلة على كتب العلاقات والاستشارات الزوجية، بينما كان يكفي أن تطبع قاموسًا صغيرًا وتوزعه عند بداية كل علاقة.
المشكلة أن المرأة لا تستخدم الكلمات دائمًا بالمعنى الذي اتفق عليه واضعو المعاجم. وهذا ليس اعتراضًا على اللغة، بل تطوير غير رسمي لها لم يحظَ حتى الآن باعتراف المجامع اللغوية.
فكلمة واحدة قد تحمل معنى، ونبرة صوتها تحمل معنى آخر، ونظرة العين تضيف ملحقًا تفسيريًا، أما طريقة وضع فنجان القهوة على الطاولة فقد تنسف المعنى كله.
ولنبدأ بعبارة تبدو بريئة: «على راحتك».
بحسب اللغة، تعني أن القرار لك. لا توجد مشكلة. العبارة واضحة ومطمئنة، وتعني أن لك حرية الاختيار، وأن الطرف الآخر يحترم قرارك أيًا كان. أما بحسب قاموس المرأة، فقد تعني: اختر بنفسك، وسأعرف من اختيارك إن كنت قد فهمت شيئًا من السنوات التي قضيناها معًا.
لكن الرجل الذي يسمع «على راحتك» وينفذ ما يريحه فعلًا، رجل لم تمنحه الحياة الخبرة الكافية بعد.
وهنا يجب التوضيح أن حرية الاختيار موجودة فعلًا. تمامًا كما يملك الطالب حرية اختيار الإجابة في الامتحان.
لا أحد يمنعه. لكن الخيارات لها نتائج.
ومن الكلمات التي ينبغي التعامل معها بحذر أيضًا: «عادي». خصوصًا أن معناها الأصلي تعرض إلى ظلم تاريخي.
يسألها: «هل أزعجك ما حدث؟» فتقول: «عادي».
فيشعر بالارتياح، وربما يعود إلى طعامه.
وهذا تصرف يثبت أن الانتقاء الطبيعي لا يعمل بالكفاءة التي كنا نظنها.
فـ«عادي» قد تعني فعلًا أن الأمر عادي، وهذه حالة مسجلة ولا يجوز إنكار وجودها، لكنها قد تعني أيضًا أن شرح سبب الانزعاج يحتاج إلى طاقة لم تعد المرأة مستعدة لإنفاقها على شخص كان حاضرًا أثناء وقوعه.
وهناك «لا بأس».
عبارة جميلة، هادئة، متسامحة جدًا في ظاهرها.
تصلح لإنهاء خلاف صغير، أو لبدء خلاف أكبر بعد عدة ساعات.
نسيت الموعد؟ «لا بأس».
تأخرت؟ «لا بأس».
قلت أمام الجميع جملة كان ينبغي أن تمر على لجنة رقابة قبل خروجها من فمك؟ «لا بأس».
وهنا أنصح بألا تبتهج كثيرًا.
فالمرأة التي لا يزعجها الأمر فعلًا، لا تحتاج أصلًا إلى الإعلان عن سلامة الأوضاع.
يشبه الأمر قليلًا سماع قائد الطائرة يقول فجأة: «أيها الركاب، لا داعي للقلق».
لم يكن أحد قلقًا يا سيدي. لكننا الآن جميعًا كذلك.
ثم نصل إلى الجملة الشهيرة التي حيرت أجيالًا كاملة: «أنا لست غاضبة».
وهذه لا ينبغي تفسيرها لغويًا، بل ميدانيًا.
هل أغلقت الباب بصورة طبيعية؟
هل وضعت الكوب على الطاولة بعنف، معلنة به انتهاء المفاوضات؟
هل تحرك الأثاث أثناء ترتيب المنزل بقوة توحي بوجود خلاف شخصي بينها وبين المقاعد؟
فاللغة قد تكذب، أما الجمادات فنادرًا ما تفعل.
وإذا قالت المرأة إنها ليست غاضبة بينما تعيد ترتيب المطبخ بقوة تكفي لإعادة رسم حدوده، فمن الأفضل ألا تدخل وتسأل بسذاجة: «هل أنت متأكدة؟»
فهذه ليست محاولة للفهم. هذه إضافة بند جديد إلى لائحة الاتهام.
وفي القاموس نفسه نجد: «افعل ما تراه مناسبًا».
عبارة تمنح الرجل إحساسًا نادرًا بالاستقلالية.
والحقيقة أن ما تراه مناسبًا مهم جدًا هنا، لأنه سيكشف بالضبط ما الذي تراه مناسبًا، وهذه هي المعلومة المطلوبة أصلًا.
إنها تجربة مخبرية بسيطة.
يُترك الكائن في بيئته الطبيعية، وتُمنح له حرية التصرف، ثم تُسجل النتائج.
وقد يعود الرجل بعد ذلك فخورًا بأنه احترم رغبتها.
بينما تكون هي قد توصلت، بفضل التجربة، إلى نتائج مقلقة بشأن قدرته على الفهم أو اتخاذ القرارات.
أما سؤال: «من هذه؟»
فمن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأنه سؤال يتطلب اسمًا.
«هذه ريم»
ممتاز. لقد حصلت الآن على درجة واحدة من أصل خمسين.
المطلوب في الحقيقة هو الملف الكامل: الاسم، صلة المعرفة، تاريخ بدايتها، سبب استمرارها، عدد مرات التواصل، والظروف التي جعلت ريم تضحك لك بهذه الأريحية، ولماذا أجبت عن السؤال بعد لحظة صمت قصيرة.
وتلك اللحظة تحديدًا قد تصبح أهم من ريم نفسها.
فالمرأة قادرة على تجاوز وجود امرأة مجهولة، لكنها قد لا تتجاوز نصف ثانية مريبة بسهولة.
ثم هناك عبارة «أنا جاهزة»؛ فهي العبارة التي ساهمت في تدمير مفهوم الزمن أكثر من أي نظرية فيزيائية.
وقد آن الأوان أن تتدخل المنظمة الدولية للمقاييس لتحديد معناها.
فـ«جاهزة» لا تعني بالضرورة إمكانية مغادرة المنزل، فالمرأة قد تكون جاهزة من الناحية الاستراتيجية فقط؛ أي أن الأعمال الإنشائية الكبرى انتهت. أما التشطيبات فما زالت مستمرة.
قد يبقى تغيير الحذاء، واختيار حقيبة أخرى، وإعادة الحذاء الأول، وإصلاح خصلة شعر لم ترتكب ذنبًا واضحًا، والبحث عن الهاتف، والعثور عليه، ثم البحث عن شيء آخر فُقد أثناء البحث عن الهاتف.
كل هذا لا يتعارض، في قاموسها، مع كونها جاهزة من حيث المبدأ. وأي اعتراض على ذلك هو جدل في التفاصيل.
أما «حسنًا»، فهي ليست كلمة، بل مفترق طرق.
قد تعني أن الموضوع انتهى.
وقد تعني أن فرصتك في الحديث انتهت.
وقد تعني أن عليها أن تسمع منك شيئًا آخر، لكنها لن تطلبه لأنها طلبت ما يكفي في هذه الحياة.
وقد تعني ببساطة أن الجلسة رُفعت، على أن تُستأنف القضية في موعد لن يتم إبلاغك به مسبقًا.
وهنا تكمن عبقرية الكلمة؛ لا يمكنك معرفة معناها إلا بعد أن تختار تصرفك التالي، وعندها يكون قد فات أوان الاستعانة بالقاموس.
ومع ذلك، لا يصح أن نحمّل المرأة وحدها مسؤولية هذه الفوضى الدلالية. فللرجل أيضًا قاموسه الخاص، وإن كان أصغر حجمًا وأقل تعقيدًا.
«أنا قادم» لا تعني بالضرورة أن هناك حركة فعلية قد بدأت.
و«خمس دقائق» ليست قياسًا زمنيًا، بل تعبير عن حسن النية.
أما «لم أنتبه»، فهي واحدة من أنجح العبارات في تاريخ الرجال، وقد استُخدمت لتفسير كل شيء، فهي عبارة مرنة استطاعت عبر التاريخ أن تتحمل مسؤولية مواعيد منسية، ورسائل غير مقروءة، وتغييرات في تسريحة الشعر كان يفترض ملاحظتها قبل ثلاثة أيام.
وهناك «سأصلحها»، وهي عبارة لا تتضمن، رغم صيغة المستقبل، أي التزام زمني معروف. بل تعني ببساطة أن الرجل اعترف بوجود العطل ووضعه رسميًا ضمن خطته المستقبلية.
وقد يظل المصباح معطلًا أشهرًا، والصنبور يقطر، والدرج يحتاج إلى عزيمة وإرادة لإغلاقه، لكن الاستعانة بفني تظل إهانة شخصية؛ لأنه «سيصلحها». والمثير أن مرور الوقت لا يضعف هذا الوعد، بل يزيده رسوخًا. وبعد ستة أشهر يصبح العطل نفسه جزءًا من أثاث المنزل، بينما تبقى عملية الإصلاح مقررة.. فور العثور على الوقت المناسب.
والوقت المناسب، بحسب الدراسات المنزلية، يأتي عادة بعد أن تتولى المرأة إصلاحه بنفسها.
وعندها تحديدًا سيقول: «كنت سأفعلها».
لكن الفارق، في رأيي، أن المرأة لا تكتفي بالكلمات.
هي ترسل الجملة ومعها حزمة كاملة من البيانات: النبرة، والنظرة، والتوقيت، وما حدث قبل أسبوع، وما كان ينبغي أن يحدث ولم يحدث، وتفصيل صغير ذكرته قبل ثلاثة أشهر وافترضت، بسذاجة مؤثرة، أنه ما زال محفوظًا في الذاكرة.
ثم تشعر بالصدمة عندما تكتشف أن الطرف الآخر استلم الجملة وحدها.
ولهذا أفكر جديًا في إصدار «قاموس المرأة».
سيكون قاموسًا ضخمًا بالطبع، ولن أرتكب حماقة ترتيب الكلمات أبجديًا؛ فالمعنى قد يتغير بحسب الساعة، والمناسبة، ونبرة الصوت، ومن الموجود في الغرفة.
سأرتبه بحسب درجة الخطورة.
تبدأ الصفحات الأولى بعبارات آمنة نسبيًا، ثم تتدرج حتى نصل إلى الفصل الأخير: «لا شيء».
وسأضع على الغلاف تنبيهًا واضحًا:
هذا القاموس استرشادي وللاستئناس فقط؛ فالمعاني قابلة للتغيير دون إشعار مسبق، وقد تختلف العبارة نفسها باختلاف الحالة العامة.
ولا أضمن أن يحل القاموس مشكلة التواصل بين الرجال والنساء. لأن هذا سيحتاج موسوعة لا مجرد قاموس. لكنني أرجو أن يحقق هدفًا أكثر واقعية: أن يبرئ اللغة العربية.
وحتى تصدر تلك الموسوعة، يمكن الاكتفاء بقاعدة بسيطة: لا تقرأ ما قالته المرأة فقط؛ اقرأ النبرة، والتوقيت، والنظرة، وما قالته قبل أسبوعين، وما لم تقله، ولا تنسَ مراجعة سجلّك السابق.
وإذا بدا لك كل هذا كثيرًا لفهم جملة من كلمتين.. فمرحبًا بك في المستوى المتقدم من اللغة العربية.
