النفس التي حرَّم الله

 

 

 

ماجد المرهون

majidomarmajid@outlook.com

 

 

الدم في مفهومهِ التجريدي هو من أعظم رمزيات السر الإلهي المودع في المادة، ويمكن لكل عاقلٍ تشخيص تلك التجريدية الصلبة لتليينها وتبسيطها بحسب فكرهِ وثقافتهِ ومُعتقده، وتحويل المادة خلقًا بشريًا بكل تعالُقاته ولن ينتهي إلا إلى نفس النتيجة الوجودية والحقوقية لحرمةِ الدم، غير أن ذلك السر الإلهي وعلاقته بالأجساد والأرواح لم يسلم من التفكيك والانتهاك الدنيوي حين تسلَّلت السياسة إلى منطقة اللاهوت المحظورة، ولعل النزوة الشريرة وشهوة الطغيان العابرة تُفسر استباحة الدم عبر العصور، حيث غدت عقلنة القتل مُتكاملة في تبريرات الحروب، وأعيد معها صياغة شكل الحق بمفهوم منطقي ليكون رديفًا لمعنى الوجود.

باتت القوة هي الخيار الأول وكأنها جوهر الشيء المُطلق الذي يُبرر محو الآخر من الوجود حيث حلَّت فكرة الحق واستردادهُ محل التعامل الإنساني، لتنشأ حالة من السفسطة الأخلاقية التي لا تتردد في التضحية بالكائن الإنساني الحي قربانًا في سبيل ما روج له ربابنة الساسة في حقهم الذي لا يجب التنازل عنه إلا بإراقة أكبر قدرٍ من الدماء، ونجد هنا أن العقل البشري في حالة الصراعات يرتكب شططًا قاتلًا، إذ يمنح نفسهُ تصديق رمزية التضليل محل العيان والدم مجرد حبرٍ يكتب به الساسة وأمراء الحروب البيان.

وتتبدى المأساة في أقبح صورها الشيطانية حين يتشابه الخصمان في المبدأ والمرجعية، وتغدو المعركة بينهما صراعًا ليس على إحلال الحق محل الباطل، وإنما بين مطلقين متوازيين لا يلتقيان على طاولة الحوار، فيسعى كلٌ منهما سعيه وكأنما يمارس احتكار الإرادة الإلهية، وفي هذه اللحظة الفارقة تبدأ عملية التجريد المأساوية للإنسان كبذرة وجودية تحمل سر النفخة الربانية إلى مجرد عائق يقف في وجه الطرف الآخر ويجب نسفه وتذليله، من خلال استدعاء المُقدس لإضفاء الشرعية على الفتك لتتمثل أظهر صورة لاغتراب الإنسان في حياته بتحويله آلةٍ بلا عقل، فيساق العظيم منهم للخدمة الدامية في ساحة الحقير لقاء عرضٍ من أعراض الدنيا أو وعدٍ واهٍ بالمجد، وتُغرى بالمال أو تُهدد بالابتزاز ألسنة الجبناء للولوغ في الحياض الطاهرة.

إنِّه موت الضمير الذي يُلغي حرمة السفك، وبعد أن كان الآخر مرآة للذات بات من الضرورة القصوى إلغاؤه وتحطيم تلك المرآة النقية، لأن القتل هنا تحول إلى عملية طبيعية جدًا ومستساغة في مرحلة من مراحل الخلاف، بل إنه بمثابةِ المهر الذي يجب تقديمه حتى يتمكن السلام من الاقتران بالجثث المُمزقة والأشلاء الدامية، ويا لهُ من سلامٍ يفرضه القاتل المعتقد في قرارة نفسهِ أنه لا يمحو إنسانًا، بقدر ما يعتقد يقينًا أنه يزيل فقط الخطأ الطارئ على المُعادلة.

إن جذور هذا الغُلو تعود في أصلها إلى وهمٍ كاذب يسكن وجدان بعض الزعماء والقادة ممن امتلكوا أسباب القوة وتلبَّستهم خرافة شيطانية روَّج لها منذ البداية، وتخبط بين جدرانها العنكبوتية بعض الزعماء المعتنقين مذهبي الخلود والبقاء، ولا ريب أن هذا يعكس مدى انفصالهم عن حقيقة الزمن والصيرورة، حيث يتعامل الزعيم المُصاب بذلك العصاب وكأنه أزليٌ أبدي، ويشرع بحكم الموت على من يشاء ويستحيي من أراد وتجفل ذاته أنه محكومٌ عليه بالفناء منذ ساعة مولده، ولن يتجاوز وجوده على هذه الحياة الدنيا سوى قطرةٍ عابرةٍ في نهر الأبدية.

لعل حُب الدنيا والجاه والسلطة غيب الفكرة العقدية وأدى إلى انقطاع فهم الفلسفة الحقيقية لمبدأ العدالة المُطلقة ومركزية الحساب الأخروي المحتوم والوقوف بين يدي ديَّان لا ينسى شيئًا ولا يغفل مثقال ذرة، ولكن زين لأولئك الجبناء من مستحلي دماء الأبرياء بأن استبدال المحكمة الإلهية بمصالحهم الدنيوية هو الصواب؛ ذلك المروق الصارخ عن جادة الحق ما هو إلا خللٍ عقلي يؤكد على إنكار الحقيقة الكونية الراسخة التي تشهد بأنَّ كل نصرٍ يُبنى على التضحية بالأبرياء هو في جوهرهُ هزيمةٍ أخلاقية لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال تجميلها، وهكذا يظل الموت ظُلمًا جرحًا مفتوحًا في جسد الإنسانية لا يندمل مع الزمن، وينتظر فجر العدالة ليغسل به لوثات التواطؤ وعار الصمت، وسيكتب التاريخ أن كل سلطةٍ تأسست على جماجم وعظام الأبرياء هي هياكل من ورق وكياناتٍ من رماد ستذروها رياح الحقيقة المُنبعثة من صرخة المظلوم الحية في ضمير الغيب، وهي فقط تنتظر اللحظة التي تكتمل فيها دائرة القصاص لتدوير تشكيل الأحداث وإعادة التوازن المفقود للكون "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ". (الشعراء: 227).

الأكثر قراءة

z