معرض التوظيف في صلالة.. وأنسنة سوق العمل

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

دشنت المديرية العامة للعمل بمحافظة ظفار قبل أيام، معرضًا لتوظيف المُواطنين من ذوي الإعاقة، بصورة مباشرة، وجمعت في المعرض أكثر من 50 شركة في المعرض تمثل عددًا من القطاعات الحيوية في ظفار، تشمل القطاعات الإدارية والمالية والخدمات واللوجستيات والسياحة والتقنية والتكنولوجيا والصناعة، إلى جانب مجموعة متنوعة من الوظائف والمهن الأخرى.

هذه المُبادرة فوق الوصف والتوصيف، وقد تأثرتُ بها كثيرًا، لعدة أسباب؛ منها: جوانبها الإنسانية والوطنية، ولمستوى التفكير فيها- كيفيةً وماهيةً- وكلُ ما اهتديتُ إليه بعد عملية تفكير وبحث، القول عنها، إنها مبادرة تتقاطع فيها الإنسانية مع الاقتصاد، والمجتمع مع الوطنية، والمؤسسات مع بُعدها الإنساني الاجتماعي، وهي تُعبِّر عن إرادة قوية لصناعة الأمل من خارج ما يسمونه بـ"الصندوق"؛ بل تعني أن أغلب المحافظات قادرة بنفسها على أن تحل مشاكلها وقضاياها، وفي مقدمتها الباحثين عن العمل.

وما أزالُ مُتحيِّرًا في الوصف والتوصيف؛ إذ لا أجدُ فيما سبق أني قد وُفِّقْتُ فيهما، لأنني أجد هذه المبادرة، أكبر من كل الأوصاف مجتمعةً، والأجمل ما فيها، هو الأمل الذي تولِّدُه؛ فالمعرض يصنع الأمل، ويُعيد بناء الثقة، ويفتح نافذة للمستقبل، ونوافذ مفتوحة لتبنيها في كل محافظات البلاد، كما إنها تُدلِّل بما لا يدع مجالًا للشك، أن هناك قدرة في التفكير خارج الصندوق. وما أوضحه لي الفاضل/ يوسف بن حمد بن زاهر الهاشمي المدير العام المساعد للعمل بظفار أثناء زيارتي له في مكتبه، من نتائج تُعبِّر عن مفهوم أعمق لمسار أنسنة المؤسسات، والانتقال من رعاية الإنسان إلى تمكينه، ومن النظر إليه كمستفيد إلى اعتباره شريكًا في التنمية؛ فالمسألة هنا ليست مِنَّةً أو إكرامية أو إحسانًا لهذه الفئة، وإنما حق أصيل من حقوق المواطنة؛ فهُم يمتلكون شهادات علمية من درجة البكالوريوس والدبلوم العام، وهذا يعني أن الإعاقة لا تعني غياب الكفاءة، ولا تنتقص من الحقوق.

ومبادرة المديرية العامة للعمل بمحافظة ظفار عُقدت بالشراكة مع وزارة التنمية الاجتماعية، وتتماهى مع نُبل أهدافها السامية؛ حيث يُحسب للوزارة أن منحت ذوي الإعاقة في بلادنا حقوقًا- وقد سمتها باسمها- نالت الإعجاب الدولي أثناء زيارة وفدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا؛ حيث تمكَّن الوفد من إبراز بلادنا كدولة تتفوق على كبرى الدول في مجال منح حقوقٍ متعددةٍ ومتنوعةٍ لهذه الفئة. وللأسف الكثير لا يعرف عنها، ومن بينهم ذوو الإعاقة، فأين الخلل؟

عرضتْ الشركات والمؤسسات في المعرض فرصَ عملٍ حقيقية للباحثين من ذوي الإعاقة الذين شاركوا في المعرض، وتنشغل الآن أُطر وكوادر المديرية العامة للعمل بظفار بعملية توظيفهم، وقد حددوا فترة زمنية تتراوح ما بين أسبوعين إلى 3 أسابيع لتمكين كل الباحثين في الوظائف المناسبة لهم، وما كان ينبغي تقديم موعد المعرض المقرر أصلًا في 16/9/ 2026 مهما كانت الأسباب، فخبر تقديمه لم يصل للكل، فقد كنتُ مُخطِّطًا لحضوره، واقترحتُ أن يُنقل المعرض على الهواء إعلاميًا، فهل تقديم موعد انعقاده كان السبب وراء عدم حضور كل الباحثين من ذوي الإعاقة؟

مهما يكن نحن على يقين أن فرصة الغائبين لا تزال قائمة، لكنني وددتُ أن يكون يومًا وطنيًا لصناعة الأمل وتعزيز الطموحات.

كان لدينا حدث يمكن لوسائل الإعلام والتواصل أن تكون شريكًا في صناعة أثره، لكنَّنا فوَّتناه، ولا يزال الحدث قائمًا، فلا ينبغي تفويت مشاهد التوظيف التي ستتم خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة، ومن خلال خبرتي الإعلامية والصحفية أقول: لو وُظِّفَتْ وسائل الإعلام والاتصال المختلفة في نقل معرض التوظيف، لكان لذلك انعكاس إيجابي يتجاوز حدود المعرض. ولنتخيل مشاهد الباحثين عن عمل من ذوي الإعاقة وهم يتحاورون مع الشركات، ويوقعون عقودهم، ومشاهد فرحتهم، وفرحة أسرهم، ودموع الفرح التي تختصر سنوات من اليأس.. إنها رسائل اجتماعية ووطنية ما أحوج مرحلتنا إليها الآن، ورسائل أخرى للشركات قد تدفع بها إلى فتح المزيد من أبوابها للباحثين عن عمل.

مبادرة معرض التوظيف لذوي الإعاقة لا ينبغي أن تكون مبادرة وحيدة أو مُنفردة؛ بل نموذج يمكن تطويره والبناء عليه وتوسيع أثره، ونحتاج لمبادرات مثل: الباحثين عن عمل ممن تجاوزوا سِن الأربعين، والمُسرَّحين من أعمالهم، والباحثين عن عمل من أصحاب الخبرات الطويلة.

وقد وعدنا ناصر بن سالم الحضرمي مدير عام المديرية العامة للعمل بظفار بمبادرة للفئة الأولى من الباحثين، كما يُحضِّر لمبادرة مماثلة للمُسرَّحين من أعمالهم. ومثل هذه المبادرة ينبغي الإشادة بها، وتقدير هذا الفكر الذي يُوسِّع التجربة، ويُحوِّل الفكرة إلى ممارسة مؤسسية مستدامة، وهذه نموذجية عالية المستوى في تكاملية الجهات الحكومية والشركات والمجتمع من أجل المواطن، ولكل من يؤمن بأنَّ خدمة المواطن هي من خدمة الوطن ودواعي استقراره واستدامة أمنه الشامل.

الأكثر قراءة

z