خلفان الطوقي
بعض المواضيع تحتاج إلى تحليل عميق، ونقاش وحوار هادئ ومبكر وتبادل وجهات نظر، وخاصة في الأوقات الهادئة، ومن ضمن المواضيع التي أقصدها: لماذا عُمان تستثمر في إفريقيا؟ ولماذا يجب أن يكون لها تواجد هناك؟
بالرغم من ذلك؛ فالصورة الذهنية لكثير من الدول الأفريقية مليئة بالمخاطر السياسية واللوجستية والإدارية والمالية، ولكن لا يعني ذلك أنه لا توجد فرص حقيقية في هذه القارة، وفرص عُمان ربما أكثر من غيرها، لأسباب عديدة أهمها:
- التواجد العُماني المبكر: فتواجد عُمان في شرق إفريقيا مبكر ولفترات طويلة، وما زال عدد من العوائل العُمانية موجود إلى يومنا هذا، وهذا يدل على أن العُمانيين لديهم الخبرة في العمل والاستثمار والتعايش مع الأفارقة، وهذه ميزة تحسب لهم، وللعلم أن كثيرا منهم يستثمر ويعيش هناك بمحض إرادته.
- تنويع المحفظة الاستثمارية: كان تركيز جهاز الاستثمار العُماني في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وأجزاء أخرى تتوزع في حوالي 55 دولة، لذلك فمن المناسب انتقاء بعض الفرص الاستثمارية في القارة الأفريقية لتوزيع المخاطر، بالرغم من ذلك، فإن تم قياس ما هو موجود من استثمارات عُمانية في إفريقيا سوف تجده الأقل على الإطلاق.
- الاستثمار المنتقى: تضم القارة الأفريقية 54 دولة، وبها تعدد سكاني يصل إلى 1.5 مليار نسمة، ولديها من الثروات الغنية الكثير، وعند العودة إلى الاستثمارات سوف تجدها منتقاة بحذر في المعادن النفيسة، والأمن الغذائي، والطاقة الكهربائية، والبنية التحتية، والتي من الممكن أن تستثمر عُمان وتحقق نجاحات شبه مضمونة.
- المغامرة المحسوبة مطلوبة: معظم الاستثمارات العُمانية الكبيرة والملحوظة في القارة الأفريقية يقودها جهاز الاستثمار العُماني، ومعلوم أن الجهاز يستثمر في الأسهم والسندات والصكوك العالمية، إضافة إلى الاستثمار المباشر ومن خلال مئات الصناديق والبنوك الاستثمارية حول العالم، عليه، فلا بأس أن يخصص جزءًا من هذه الاستثمارات للقارة السمراء، واضعا في الاعتبار كل الخبرات التراكمية والدروس حلوها ومرها التي خاضها في رحلة الاستثمار الممتدة إلى عشرات السنوات.
- التوسع العالمي التدريجي: تعمُّق خبرات جهاز الاستثمار العُماني على مدى حوالي 13 عامًا، وتوسعه- وإن كان تدريجيًا- لا يعني أنه بطيء، لكنه من الأفضل أن يكون حذرًا، ومن أفضل الاستراتيجيات الاستثمارية في إفريقيا أن تستمر. ولكن بتدرج واستمرار (slow and steady).
- مَلء الفراغ: ما يميز القارة الافريقية حجمها ونموها وعدد سكانها، وتوجد فراغات للاستفادة من الفرص الاستثمارية الهائلة، وعُمان وسياسته الواضحة والمبنية والثابتة على أسس المصالح المشتركة دون أجندات تراعي جانبا على آخر، وسمعتنا التاريخية يؤهلها للاستثمار هناك تطبيقًا لمبدأ: الكل رابح (win-win approach) مما يمكنها من التوسع التجاري في المستقبل.
- الاستثمار الحكومي مرحلة أولى: يمكن تسمية الاستثمار من خلال جهاز الاستثمار العُماني مجازا أنه حكومي، ولكنه في ذات الوقت هو فعليا قطاع خاص من خلال شركات شبه حكومية كمجموعة "OQ" أو أسياد أو شركة تطوير معادن عُمان أو غيرها من الشركات شبه الحكومية العملاقة، وهو تمهيد لمراحل مقبلة من خلال تواجد بعض الشركات العُمانية حضورنا أو تصدير بعض منتجاتنا إلى هناك، لذلك فهناك مراحل في الانتظار، ومن الممكن أن نراها مطبقة في المستقبل.
- خلق هوية غنية: جهاز الاستثمار العُماني يبني ملفًا تعريفيًا غنيًا، وإن ضم هذا الملف التعريفي أن له استثمارات وتجارب ناجحة في إفريقيا، فإنَّ ذلك يعطيه علامة إضافية الصناديق السيادية والبنوك الاستثمارية لبناء شراكات استثمارية عملاقة في إفريقيا أو أي محطة استثمارية جديدة، ويعطيه الأولوية والجاذبية والمصداقية في الفرص الاستثمارية أينما وجدت في كل أنحاء العالم.
- الآن هي لأفريقيا: والسبب أن ما يميز إفريقيا من غيرها شخصية القارة (character)، لذلك لا بُد من اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، وإلا ضاعت الفرصة منا.
- جاهزية الجهاز: جهاز الاستثمار العُماني هو صندوق عُمان السيادي ويضم أفضل الكفاءات من العُمانيين وغير العُمانيين، ويتعامل مع أفضل الصناديق الاستثمارية العالمية، ويطبق أفضل ممارسات الحوكمة على الاطلاق، ولديه مكاتب اقليمية، ولديه أفضل الشراكات الاستراتيجية مع الصناديق السيادية في دول عديدة، ولديه قصص نجاح مبهرة، لذلك لا يمكن أن نتوقع مع كل هذا أن يستمر الجهاز في القيام بأدوار استثمارية تقليدية، ولأنه اصبح ناضجا من كل النواحي، عليه، فمن غير المستغرب أن يخوض هذه المغامرات المحسوبة (calculated risk) الآن وليس غدًا.
- موطئ قدم: تواجدنا في إفريقيا لا يعني الاستثمار فقط، لكنه يعني أكثر من ذلك، يعني التوسع الاستثماري، والبحث عن فرص تجارية جديدة، وخلق شراكات استراتيجية مع دول خليجية أو عربية أو أفريقية أو آسيوية أو أوروبية أو شركات عالمية لضمان توزيع الربح والمخاطرة في ذات الوقت، ومن ثم الانتقال مع هؤلاء الشركاء إلى الاستثمار في فرص استثمارية أخرى في عُمان أو أي مكان آخر، فبدون موطئ قدم هناك، قد تضيع علينا فرص غنية.
وبسبب هذه العوامل أعلاه، فمن وجهة نظري أنه حان الوقت للاستثمار والتركيز والتوسع في قارة إفريقيا، والآن هو التوقيت المثالي لهذه الخطوة.
