المعرفة المؤسسية.. هل ترحل برحيل الموظفين؟

 

 

 

د. عارف بن خميس الفزاري **

هل تبقى المعرفة حين يُغادر الموظفون؟ يطرح هذا السؤال تحديًا أمام المؤسسات التي تفقد موظفيها بالتقاعد أو الاستقالة أو الوفاة؛ إذ قد يُغادر معهم رصيد من الخبرات يصعب تعويضه بالتوظيف وحده؛ فالمؤسسة تستطيع شغل الوظيفة، لكنها تحتاج وقتًا لاستعادة فهم تعقيدات العمل والقدرة على اتخاذ القرارات.

وتتفاوت الخسارة بحسب أهمية المعرفة ومدى تمركزها لدى موظفين بعينهم، وقدرة زملائهم على استيعابها قبل المغادرة، لذلك تستطيع المؤسسة الحد من فقدان المعرفة إذا جعلت انتقالها ممارسة مؤسسية مستمرة لا حدثًا مرتبطًا بالمُغادرة.

غير أنَّ بقاء الملفات لا يضمن بقاء المعرفة؛ إذ يشير الباحثان نوناكا وتاكيوتشي (1995) إلى المعرفة الضمنية بأنها تتمثل في خبرات الأفراد ومهاراتهم وممارساتهم، بينما المعرفة الصريحة يمكن صياغتها وتوثيقها وتخزينها وتداولها في الأدلة والسجلات وقواعد البيانات. وتُقدَّر نسبة المعرفة الضمنية بنحو 95% من إجمالي المعرفة، مقابل نحو 5% للمعرفة الصريحة. فالملف قد يحفظ القرار، بينما يحتفظ الموظف بفهم أسبابه والبدائل المستبعدة وكيفية تجاوز العقبات. ومن هنا، تحتاج استدامة المعرفة إلى الجمع بين التوثيق والتفاعل والممارسة المشتركة، حتى تنتقل الخبرة إلى الآخرين وتصبح قابلة للاستخدام والتطوير وإنتاج معارف جديدة بناءً عليها.

وتظهر تحديات فقدان الكفاءات في البيئة العلمية والبحثية؛ إذ يؤكد تقرير اليونسكو للعلوم (2021) أنَّ هجرة الأدمغة مشكلة مزمنة في العديد من البلدان، مشيرًا إلى أنَّ الحكومات التي تواجه هجرة الأدمغة وشيخوخة الباحثين، تسعى إلى تحسين وضع الباحثين من خلال زيادة الأجور ومفاضلة المنح للبحوث وزيادة التفاعل مع الشركاء المؤسسيين في الخارج.

وتؤكد منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (2024) أنَّ المعرفة والخبرة الخاصة بالمؤسسة، والمتراكمة عبر سنوات الخدمة، تمثل أصولًا فكرية مخفية، مُحذرةً من أنّ كثيرًا من الموظفين ذوي الخدمة الطويلة سيغادرون سوق العمل، حاملين معهم عقودًا من الخبرة. ومن منظور استراتيجي، فإن التعلّم بالملاحظة الوظيفية يُعد ضروريًا لتخطيط التعاقب الوظيفي؛ إذ يضمن انتقالًا سلسًا عندما يُغادر الموظفون الأقدم، من خلال إعداد خلفائهم بالمعرفة والمهارات اللازمة للمحافظة على استمرارية الخبرة داخل المؤسسة.

ويكتسب هذا الموضوع أهمية كبرى في سلطنة عُمان؛ فالمعرفة مورد إنتاجي ومحرك رئيس للاقتصاد القائم على المعرفة. وتربط رؤية "عُمان 2040" أولوية التنويع الاقتصادي والاستدامة المالية باقتصاد متنوع قائم على المعرفة والابتكار، فيما تستهدف أولوية حوكمة الجهاز الإداري للدولة والموارد والمشاريع جهازًا إداريًا مرنًا ومبتكرًا وصانعًا للمستقبل. ومن ثم، يمكن فهم استدامة المعرفة بوصفها إحدى الوسائل التي تصل بين كفاءة المؤسسات وقدرتها على الإسهام في التحول الاقتصادي القائم على المعرفة.

ويوضح تقرير إدارة المعارف في منظومة الأمم المتحدة (2016) جانبًا من المشكلة؛ إذ رأى 53.8% من المستجيبين أن العقلية السائدة في مؤسساتهم تميل إلى مكافأة الأفراد على المعرفة التي يمتلكونها أكثر من المعرفة التي يشاركونها. وأوصى التقرير بوضع قواعد وإجراءات للاحتفاظ بالمعرفة ونقلها عند التقاعد أو الانتقال أو مغادرة الخدمة. كما أكد تقرير التخطيط لتعاقب الموظفين في مؤسسات منظومة الأمم المتحدة (2016) أهمية التسليم المناسب وفي الوقت المناسب، وإتاحة فترة للتداخل بين الموظف المُغادر وخلفه ونقل المعرفة بينهما.

وفي الحكومة الفيدرالية الأمريكية، أشار تقرير مكتب المساءلة الحكومية (2017) إلى ترتيبات للتقاعد المرحلي يعمل خلالها المشاركون بنسبة 50% من الوقت، ويُطلب منهم عمومًا تخصيص ما لا يقل عن 20% من ساعات عملهم للتوجيه أو نقل المعرفة والمهارات. ويوضح هذا التنظيم إمكانية تخصيص وقت مؤسسي لانتقال الخبرة.

وفي سنغافورة، أوضحت شعبة الخدمة العامة التابعة لمكتب رئيس الوزراء (2007) أن الموظفين المتقاعدين يمكن إعادة توظيفهم وفق ترتيبات عمل مرنة. ففي عام 2006، أُعيد توظيف 207 موظفين ممن بلغوا سن 62 عامًا فأكثر في الخدمة المدنية، أي نحو 19% من المتقاعدين، فيما أعادت الهيئات العامة توظيف 361 موظفًا من أصل نحو 370 متقاعدًا، أي أكثر من 90%.

وتتطلب حماية الذاكرة المؤسسية تحديد المعرفة الحرجة (أي المعارف والخبرات التي يؤثر فقدانها مباشرة في استمرارية العمل وكفاءة الأداء) ومخاطر فقدانها وإعداد البدائل وخطط التعاقب واستخلاص المعرفة الضمنية وتحويل ما يمكن توثيقه منها إلى معرفة صريحة من خلال التسليم المنظم ومذكرات نقل المعرفة والتوجيه والمرافقة الوظيفية ومجتمعات الممارسة (مجموعات من الموظفين يتشاركون خبراتهم ومعارفهم حول مجال عمل مشترك ويتعلمون من بعضهم بصورة مستمرة) والمنصات الرقمية. كما ينبغي إدماج مشاركة المعرفة في المسؤوليات والحوافز وتقييم الأداء، وقياس قدرة المتلقي على تطبيقها بصورة مستقلة.

ولا تكتمل هذه الجهود إلا بتكامل المعرفة بين المؤسسات الحكومية ضمن بيئة معرفية وطنية مترابطة تدعم الابتكار وصنع القرار والتخطيط، وتسهم في تحقيق أولويات رؤية عُمان 2040. وتدعم ممارسات مثل التوجيه والتوجيه العكسي والملازمة الوظيفية ومجتمعات الممارسة تبادل المعرفة والخبرات بين أجيال الموظفين.

ويعزز البدء المبكر فرص نجاح هذا المسار؛ فالتقاعد متوقع غالبًا، بينما قد تفاجئ الاستقالة أو الوفاة المؤسسة. لذلك ينبغي أن يستمر تبادل الخبرة طوال الحياة الوظيفية، وأن تُراجع المعارف المنقولة وتُحدَّث باستمرار، مع تحويل ما يمكن توثيقه من المعرفة الضمنية إلى أصول معرفية مؤسسية، تُحفظ في قواعد بيانات ومستودعات معرفية داخل المؤسسة، وتترابط وتتكامل مع نظيراتها في المؤسسات الأخرى ضمن منظومة معرفية وطنية متكاملة. كما تبرز أهمية تطوير أطر تشريعية وتنظيمية ملائمة تدعم استبقاء الكفاءات، ونقل خبراتهم ومعارفهم، واستمرار الاستفادة منها بعد مغادرتهم المؤسسات؛ فالمؤسسة المستعدة للمستقبل لا تمنع المغادرة، لكنها تمنع أن تتحول المغادرة إلى فقدان للمعرفة.

** باحث في المعرفة

الأكثر قراءة

z