بقلم / سعيد بن حمود بن محمد اليعربي.
طماعة بنت سليمان بن نبهان اليعربية
في ذاكرة القرى العُمانية تبقى بعض الأسماء حاضرةً كالنور، لا لأنها طلبت الشهرة، بل لأنها غرست العلم والإيمان في قلوب الناس. ومن هذه الأسماء المباركة سليلة الأئمة اليعاربة طماعة بنت سليمان بن نبهان بن ناصر بن محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن محمد بن عدي بن محمد بن حمير بن بلعرب بن سلطان بن سيف اليعربية، تلك المرأة الصالحة التي ارتبط اسمها بتعليم القرآن الكريم في بلدة سيجاء بولاية سمائل، وخلّدت ذكرها بأعمالها الطيبة وجهودها المباركة في خدمة كتاب الله.
نشأت طماعة اليعربية في بيئةٍ عُرفت بحب العلم والتمسك بالدين، فحرصت منذ صغرها على تعلم القرآن الكريم وحفظه، حتى أصبحت من النساء اللاتي يُشار إليهن بالبنان في إتقان التلاوة ومعرفة أحكام القراءة. ولم تكتفِ بما تعلمته لنفسها، بل جعلت من تعليم القرآن رسالةً في حياتها، تسعى من خلالها إلى نشر نور كتاب الله بين أبناء مجتمعها.
وكان مجلس تعليمها بسيطًا في شكله، عظيمًا في أثره؛ فقد اعتادت أن تجمع الأطفال في بلدة سيجاء تحت ظل شجرة المانجو، حيث يجلس الصغار حولها بألواحهم ودفاترهم، يستمعون إلى تلاوتها ويكررون خلفها الآيات الكريمة. هناك، تحت تلك الشجرة، تعلّم كثير من أبناء البلدة الحروف الأولى من كتاب الله، وحفظوا السور والآيات، وتشكلت في نفوسهم علاقة مبكرة بالقرآن الكريم.
ولم تقتصر رسالتها التعليمية على بلدة سيجاء وحدها، بل امتدت إلى القرى المجاورة، إذ كانت تذهب إلى بعض القرى القريبة مثل قرية منال (وابل سابقًا)، حاملةً معها عزيمتها وإخلاصها، لتواصل تعليم الأطفال وتحفيظهم القرآن الكريم. كانت رحلاتها تلك تعبيرًا صادقًا عن إخلاصها لرسالة التعليم، وحرصها على أن يصل نور القرآن إلى أكبر عدد ممكن من أبناء المجتمع بل إنها تعدت القرى القريبة وذهبت إلى بلدة الطو التابعة لولاية نخل سالكة الطرق الجبلية والوديان ووادي ميه الذي يربط بين ولايتي سمائل ونخل شاهداً عليها حيث كانت تسافر بحماره وكان القرآن خير رفيق في دربه .
لقد عرفت طماعة اليعربية بالصبر واللين وحسن الخلق، فكانت معلمة ومربية في آنٍ واحد. لم يكن تعليمها مقتصرًا على الحفظ والتلاوة فحسب، بل كانت تغرس في نفوس طلابها القيم الإسلامية والآداب الحسنة، فكان لها أثر عميق في تكوين جيل نشأ على محبة القرآن واحترام العلم.
وبقيت هذه المرأة المباركة تؤدي رسالتها بإخلاص حتى وافتها المنية، حيث انتقلت إلى رحمة الله تعالى في العاشر من شوال سنة 1404هـ الموافق 9 يوليو 1984م، بعد حياةٍ حافلة بالعطاء في خدمة كتاب الله وتعليم أبناء مجتمعها.
ورغم مرور السنين، ما زال ذكرها حيًا في قلوب من عرفها أو تعلم على يديها، إذ يستحضرون صورتها وهي تجلس تحت ظل الشجرة تحيط بها مجموعة من الأطفال، تردد معهم آيات القرآن الكريم بصوتٍ مفعم بالطمأنينة والإيمان.
إن سيرة طماعة بنت سليمان بن نبهان اليعربية تمثل نموذجًا مضيئًا للمرأة العُمانية التي أسهمت في نشر العلم وتعليم القرآن الكريم بإخلاص وتفانٍ، تاركةً أثرًا طيبًا وذكرًا حسنًا سيبقى ما بقيت كلمات القرآن تتلى في تلك الأرض الطيبة.
ولو كان للأماكن ذاكرة، لبقيت تلك الشجرة في سيجاء شاهدةً على حلقاتٍ من نور، صنعتها امرأةٌ جعلت من القرآن رسالة حياتها، ومن تعليم الناس طريقًا إلى الأجر الباقي.
