مدونة قواعد السلوك لشركات التأمين

 

 

 

 

مرتضى بن محمد جواد الجمالاني **

 

أصبحت ممارسات أسواق التأمين في الوطن العربي تحت المجهر، في ظل ارتفاع مستوى الوعي والثقافة التأمينية لدى المستهلك، نتيجة تزايد المخاطر المرتبطة بالتغيرات المناخية، وحوادث السير، والأمراض، والكوارث الطبيعية، ومخاطر الحرب، والمسؤوليات المدنية والمهنية وغيرها.

وعليه، فإن تطوير صناعة التأمين يتطلب مراجعة مستمرة لممارسات شركات التأمين، ولا سيما سياسات الاكتتاب، وتسعير الأخطار، وإدارة الاحتفاظ، وإعادة التأمين، وتسوية المطالبات وسدادها، وحماية حقوق حملة الوثائق.

وتستهدف هذه المدونة تعزيز الثقة بين المؤمن له وشركة التأمين والجهة الرقابية، وترسيخ مبدأ أن شركة التأمين لا تبيع وثيقة فقط، وإنما تقدم التزامًا ماليًا وقانونيًا بالوفاء بالتعويض عند تحقق الخطر المؤمن منه.

المادة (1): حسن النية والعدالة

تلتزم شركة التأمين بمبدأ أقصى درجات حسن النية في جميع مراحل العلاقة التأمينية، ابتداءً من تقديم العرض وإصدار الوثيقة، مرورًا بسريانها، وانتهاءً بتسوية المطالبة.

ويجب أن تكون معاملة المؤمن لهم عادلة ومنصفة، دون استغلال عدم معرفتهم الفنية أو القانونية بشروط التأمين.

المادة (2): وضوح وثيقة التأمين

يجب أن تكون وثائق التأمين وشروطها واستثناءاتها وحدود التغطية واضحة ومفهومة للمؤمن له. ولا يجوز استخدام عبارات غامضة أو شروط غير واضحة يمكن تفسيرها بطريقة تؤدي إلى الانتقاص غير المبرر من حقوق المؤمن له.

المادة (3): مسؤولية الاكتتاب

تتحمل شركة التأمين المسؤولية الفنية الكاملة عن الاكتتاب، بما في ذلك:

تقييم الخطر.

تحديد شروط التغطية.

تحديد حدود المسؤولية.

التسعير الفني.

تحديد نسبة الاحتفاظ المناسبة.

ترتيب الحماية المناسبة بإعادة التأمين.

ولا يجوز قبول الأخطار لمجرد زيادة حجم الأقساط أو الحصة السوقية دون مراعاة القدرة الفنية والمالية للشركة.

المادة (4): منع الاكتتاب القائم على التدفق النقدي (Cash-Flow Underwriting)

يحظر اعتماد سياسة Cash-Flow Underwriting التي تقوم على قبول أخطار جديدة أو تسعيرها بصورة غير فنية بهدف توفير تدفقات نقدية قصيرة الأجل لتمويل الالتزامات القائمة.

ويجب أن تستند نتائج الشركة إلى الاكتتاب الفني السليم، والتسعير المناسب، وإدارة المخاطر، وكفاية الاحتياطيات ورأس المال.

المادة (5): مسؤولية شركة التأمين عن تفسير الوثيقة وتسوية المطالبة

يظل تفسير وثيقة التأمين، وتحديد مدى انطباق التغطية، واتخاذ القرار النهائي بشأن قبول أو رفض المطالبة وتسويتها مسؤولية شركة التأمين.

ولا يجوز نقل هذه المسؤولية إلى أي طرف فني أو استشاري آخر.

المادة (6): الفصل بين دور شركة التأمين وشركات تسوية الخسائر (Loss Adjuster)

يتمثل دور شركات تسوية الخسائر Loss Adjuster في المعاينة والتحقق الفني من الخسارة وتقدير الأضرار، وفقًا للتكليف والصلاحيات الممنوحة له.

أما القرار التأميني النهائي بشأن التغطية والمسؤولية وقبول أو رفض المطالبة، فيبقى من اختصاص شركة التأمين.

ويجب أن تكون مسؤوليات كل طرف واضحة للمؤمن له، بما يمنع تضارب الأدوار أو تحميل Loss Adjuster مسؤولية قرار تأميني يعود إلى شركة التأمين.

المادة (7): تسوية المطالبات وسدادها

تلتزم شركة التأمين بدراسة المطالبات بسرعة وكفاءة وعدالة وشفافية، وسداد المبالغ المستحقة فور استكمال المتطلبات والمستندات اللازمة.

ولا يجوز تأخير سداد المطالبات المستحقة دون سبب فني أو قانوني واضح ومبرر.

إن تأخير سداد المطالبة المستحقة لا يُعد فائضًا لشركة التأمين ولا يجوز استخدامه كوسيلة لتحسين نتائجها المالية أو تدفقاتها النقدية.

المادة (8): رفض المطالبة

في حال رفض المطالبة كليًا أو جزئيًا، يجب على شركة التأمين:

تقديم قرار مكتوب.

بيان الأسباب بصورة واضحة.

تحديد النص أو الشرط في وثيقة التأمين الذي استند إليه القرار.

توضيح حق المؤمن له في الاعتراض أو التظلم.

الاحتفاظ بكامل المستندات والسجلات المؤيدة للقرار.

ويجب أن يكون قرار الرفض مستندًا إلى الوثيقة والقانون والوقائع الفنية.

المادة (9): الاحتفاظ الصافي Net Retention

ينبغي أن يتضمن قانون شركات التأمين أو اللوائح التنفيذية أحكامًا واضحة بشأن الاحتفاظ الصافي، بحيث يتناسب مع:

رأس مال الشركة.

حقوق المساهمين.

الاحتياطيات الحرة Free Reserves.

القدرة المالية والملاءة.

طبيعة وحجم الخطر.

ويُقترح أن يكون الاحتفاظ الصافي ضمن نطاق 1% إلى 5% من المبلغ المؤمن عليه وفقًا لطبيعة الخطر والقدرة المالية للشركة، مع إمكانية اختلاف النسبة حسب فئة الخطر واللوائح الرقابية.

ولا يجوز أن يكون الاحتفاظ قرارًا تجاريًا منفصلًا عن القدرة المالية والفنية للشركة.

المادة (10): رفض أو تخفيض الاحتفاظ بالخطر

في حال قررت شركة التأمين عدم الاحتفاظ بأي جزء من الخطر، أو تخفيض نسبة الاحتفاظ المقررة، فيجب عليها توثيق الأسباب الفنية والمالية وإبلاغ الجهة الرقابية المختصة.

ويحق للجهة الرقابية مراجعة أسباب القرار والموافقة عليه أو رفضه أو طلب تعديله، وفقًا لقدرة الشركة المالية وطبيعة الخطر واستقرار السوق.

المادة (11): إعادة التأمين

يجب أن تكون ترتيبات إعادة التأمين متناسبة مع طبيعة الأخطار وحجم الاحتفاظ الصافي وقدرة الشركة المالية.

ولا يجوز استخدام إعادة التأمين كوسيلة للتحايل على متطلبات رأس المال أو الملاءة أو الاحتفاظ الصافي.

المادة (12): منع التركّز والاحتكار

مع مراعاة أحكام قوانين المنافسة ومنع الاحتكار والقوانين واللوائح ذات الصلة، يجب ألا تتجاوز حصة الأعمال أو الأقساط المكتتبة من مصدر واحد أو مجموعة مترابطة النسبة المقررة قانونًا، والتي يُستند إليها هنا عند 33% متى انطبق هذا الحد القانوني.

وفي حال بلوغ أو تجاوز هذه النسبة، يحق للجهة الرقابية مساءلة شركة التأمين وطلب المبررات الفنية والمالية، ولها اتخاذ ما تراه مناسبًا وفقًا للقانون.

ويجب كذلك منع التركّز المصطنع من خلال توزيع الأعمال شكليًا بين شركات أو جهات مترابطة اقتصاديًا أو ماليًا.

المادة (13): سجل المطالبات المرفوضة – Rejected Claims Bordereaux

تلتزم شركة التأمين بتقديم كشف دوري كل 90 يومًا إلى الجهة الرقابية المختصة عن المطالبات المرفوضة كليًا أو جزئيًا.

ويجب أن يتضمن الكشف، بقدر ما تسمح به القوانين المتعلقة بالسرية وحماية البيانات:

رقم المطالبة وتاريخها.

نوع التأمين.

قيمة المطالبة.

القرار المتخذ.

أسباب الرفض.

النص أو الشرط التأميني المستند إليه.

مدة دراسة المطالبة.

أي اعتراض أو شكوى مقدمة من المؤمن له.

الإجراء المتخذ بشأن الاعتراض أو الشكوى.

ويهدف هذا الإجراء إلى تمكين الجهة الرقابية من تحليل أنماط رفض المطالبات واكتشاف الممارسات غير المعتادة ومراقبة عدالة إجراءات التسوية.

المادة (14): الحوكمة والمسؤولية

تتحمل مجالس الإدارة والإدارة التنفيذية المسؤولية عن وضع ومراقبة سياسات:

الاكتتاب.

المطالبات.

إعادة التأمين.

الاحتفاظ بالمخاطر.

إدارة رأس المال.

الاحتياطيات.

إدارة المخاطر.

ويجب تحديد مؤشرات أداء KPIs واضحة، وخاصة:

مدة تسوية المطالبات، مدة السداد، نسبة المطالبات المرفوضة، أسباب الرفض، جودة الاكتتاب، كفاية الاحتياطيات والملاءة المالية.

المادة (15): تأهيل وتمكين الكوادر

تلتزم شركات التأمين بتدريب وتأهيل وتمكين كوادرها، وخاصة العاملين في الاكتتاب والمطالبات وإدارة المخاطر.

ويجب أن تتولى الشركة مسؤولية تطوير كوادرها، بينما تقوم الجهة الرقابية بدورها في الإشراف والرقابة وفق متطلبات الحوكمة.

المادة (16): شكاوى المؤمَّن لهم

يجب أن يكون لدى شركة التأمين نظام مستقل وفعال لاستقبال ومعالجة الشكاوى، مع تحديد مدد زمنية واضحة للرد واتخاذ القرار.

ويجب تمكين المؤمن له من الاعتراض والتظلم أمام الجهة المختصة وفق القانون.

المادة (17): الشفافية والإفصاح

تلتزم شركات التأمين بالشفافية في:

شروط الوثائق.

الاستثناءات.

الأسعار.

إجراءات المطالبات.

أسباب الرفض.

الالتزامات المالية.

المعلومات الجوهرية التي تؤثر في حقوق المؤمن لهم.

المادة (18): المنافسة العادلة واستقرار السوق

 

تلتزم شركات التأمين بالمنافسة العادلة وعدم اتباع ممارسات تؤدي إلى:

الإضرار بالمنافسين بصورة غير مشروعة.

الإضرار بالمؤمن لهم.

التسعير غير الفني.

التركّز المفرط.

إضعاف الملاءة المالية للسوق.

المادة (19): دور الجهة الرقابية

تتمثل مسؤولية الجهة الرقابية في وضع الإطار التنظيمي والإشراف والرقابة على شركات التأمين، والتأكد من: الملاءة المالية، الحوكمة، سلامة الاكتتاب، كفاية الاحتياطيات، عدالة تسوية المطالبات، حماية المؤمن لهم، واستقرار سوق التأمين.

ولا يعفي الدور الرقابي مجالس الإدارة والإدارة التنفيذية لشركات التأمين من مسؤولياتها القانونية والمهنية.

إن شركة التأمين لا تبيع وثيقة فقط؛ بل تبيع وعدًا ماليًا وقانونيًا بالوفاء عند تحقق الخطر المؤمن منه. وعليه، فإن قوة شركة التأمين لا تقاس فقط بحجم الأقساط أو الأرباح، وإنما بقدرتها على: الاكتتاب السليم، والتسعير العادل، وإدارة المخاطر، والاحتفاظ المناسب، وإعادة التأمين، وكفاية رأس المال والاحتياطيات، وتسوية المطالبات المستحقة بعدالة وسرعة وشفافية.

وأخيرًا.. إنَّ بناء الثقة بين المؤمَّن له وشركة التأمين والجهة الرقابية هو الأساس الحقيقي لتطوير واستدامة صناعة التأمين في الوطن العربي.

** خبير التأمين وباحث اقتصادي متخصص

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z