د. فهد بن سيف المنذري
راجت في الآونة الأخيرة ظاهرة المساحات الافتراضية، وانتشر معها ما يُسمّى بحرية التعبير، وقد أخذت هذه المساحات تجذب إليها مئات المستمعين، وغالبًا ما يكون المضيف أحد الناقمين على سياسات وقرارات حكومته في وطنه الأم، أو ممن اختاروا اتخاذ الفضاء الإلكتروني منبرًا للتعبير عن مواقفهم وتصوراتهم.
وبحسب متابعتي المتواضعة لما يُنشر ويُتداول في بعض هذه المساحات، يمكن أن نرصد أنماطًا شتى من الذهنيات المشاركة؛ يأتي في مقدمتها ذلك النمط المتجرد من كثير من مبادئ الوطنية والقيم الأخلاقية، والذي يتميز في حواره بالأسلوب الرخيص وبذاءة العبارات، وكأن ارتفاع الصوت والإساءة يمكن أن يكونا بديلًا عن الحجة والبرهان والرأي السديد. وهذه النوعية قد تصبح لقمة سائغة للاستغلال والتوظيف في صراعات أو أجندات لا تخدم مصلحة الوطن والمجتمع.
ومن أنواع الشخصيات أيضًا الشخصية المُتذمِّرة التي تقتصر وظيفتها على اللعن والسب وتحطيم المعنويات، من دون أن تبحث عن حلول واقعية وآمنة، أو تحاول أن تجعل من النقد وسيلة للإصلاح، لا بابًا لليأس والإحباط. وهناك أنماط أخرى؛ منها الصامت الذي يكتفي بالاستماع، ومنها الشامت الذي لا يرى في كل حدث إلا فرصة للتشفي، ومنها المتسلق على أكتاف الآخرين بحثًا عن حضور أو شهرة أو تأثير.
ولا يعني هذا بطبيعة الحال أن كل مساحة افتراضية مذمومة، أو أن النقد مرفوض؛ فالنقد المسؤول ضرورة في أي مجتمع حي، وحرية التعبير قيمة لا غنى عنها، غير أن الفارق كبير بين النقد الذي يقترح ويصحح، وبين خطاب يهدم الثقة ويزرع الكراهية ويحول الخلاف في الرأي إلى خصومة مع الوطن ذاته.
وما يجب تأكيده هنا أن الوطن ليس فندقًا نسكن فيه ثم نغادره حالما لا تعجبنا الإقامة، بل هو انتماء ومسؤولية ومصير مشترك. والوطن الذي لا نحميه من التشويه، ولا نمارس تجاهه نقدًا واعيًا ومسؤولًا، نكون قد أسأنا إلى أنفسنا قبل أن نسيء إليه.
