لينا الموسوي
خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في حِصنٍ مغلقٍ دافئ، ألا وهو رحم الأم؛ فيه يتغذى، وينمو، ويكبر، حتى يُصبح جاهزًا للانطلاق في هذه الحياة الواسعة، يخرج الإنسان إلى الدنيا طفلًا باحثًا عن الأمان، وهو لا يعلم في أي أرضٍ سينشأ، أو بأي لغةٍ سيتكلم، أو إلى أي عائلةٍ وقبيلةٍ سينتمي، فيكبر ويترعرع حسب ما كُتب له، عربيًا كان أم أعجميًا.
في هذه النشأة، يتشرب المرء عادات وتقاليد المجتمع المحيط به، وبعد أن يشتد عوده، يبدأ في تربية نفسه وصقل شخصيته؛ معتمدًا على الأسس التي تعلمها ونشأ عليها، ومستفيدًا مما يُحيط به من بيئة وتجارب حياتية خلال المراحل التي يمر بها. يعمل، ويجتهد، ويصارع، ويحارب الظروف الحياتية المحيطة به بمختلف أنواعها، بحلوها ومرها، ليحقق ما يحلم به من حياة مريحة وكريمة إن تمكن من ذلك.. وهذه هي سُنّة الحياة.
لكن أحيانًا، قد يصل الإنسان إلى نقطة يرى فيها أن الاستمرار في نفس المكان لم يعد يثمر، أو أنَّ الظروف المحيطة باتت تفرض عليه سقفًا يمنعه من التقدم والاستقرار الذي يطمح إليه، أو الراحة النفسية المرجوة. حينها ينبع شعور داخلي لرحيلٍ خفيّ يبدأ من أعماقه، فيستعد إلى الرحيل تدريجيًا دون أن يشعر. هنا يبدأ بالرحيل النفسي؛ تلك اللحظة الفاصلة التي ينفصل فيها المرء عاطفيًا عن واقعه القديم، فيُغادر منطقة الأمان في عقله، ويتوقف تمامًا عن قبول وضعٍ لا يرضيه، سواء كان شخصيًا، اجتماعيًا، أو حتى مهنيًا.
إنِّه رحيل يتمثل في إعادة غربلة العلاقات، والانسحاب الواعي من المجتمعات أو الروابط التي تُحبط طموحه وتستنزف طاقته، ليرحل نحو البحث عن محيطٍ جديد يقدر قيمته وينسجم مع نضوجه الفكري والوظيفي أو حتى الاجتماعي، حيث يُقرر التخلي عن الاستقرار المؤقت ليصنع لنفسه مسارًا يتناسب مع مهاراته. ومن هنا، يتحول الرحيل الداخلي إلى واقع مفروض، فيحزم حقائبه ليُغادر دولة بأكملها أو ينتقل إلى مكان جديد، مستندًا إلى نفس الأسس والخبرات التي بناها في حياته ومكانه السابق، ليُعيد توظيفها من جديد في بيئة مغايرة، ويبدأ في صياغة أسلوب حياة مختلف، وعمل جديد، وعلاقات يختارها وينسجها بنضوجه من نقطة الصفر.
في الحقيقة، إنَّ هذا النوع من القرارات غير الاضطرارية يعتبر من القرارات الجريئة نسبيًا والتي لا يجرؤ عليها الكثير من الناس؛ فالخروج من مناطق الراحة والتغيير الجذري ليس بالأمر الهين، لكونه عملية جريئة تنطوي على نوع من المغامرة المجهولة التي تثير في النفس الخوف الفطري من القادم. ولكننا إذا رجعنا إلى آية الله تعالى في كتابه الكريم، نجد أن الله سبحانه يحث الإنسان على السعي والبحث عن الرزق في أرضه الواسعة ليغير حياته نحو الأفضل، ويمشي في مناكبها مستكشفًا طاقاته الكامنة، أو لتغيير النفس والذات نحو الأفضل.
وفي اعتقادي، أن الرحيل أو التغيير المبني على أسسٍ، في أعمق أبعاده النفسية، ليس هروبًا وإنما مواجهة شجاعة مع الذات؛ إنه اختبار لقدرة الإنسان على التخلي عن أمانه المزيف المألوف، أو أي شيء يزعجه، ليُعيد اكتشاف قوته في محيط جديد يستند فيه على قناعته الداخلية. إنها تلك اللحظة التي يُدرك فيها المرء أن وطنه الحقيقي هو المكان الذي يجد فيه راحته النفسية، ليصنع تجاربه الحياتية فيُحقق قفزات نوعية.
فالرحيل أحبتي، عن كل ما يزعج الإنسان، لا يُقصد به ترك الأهل والأولاد وتفكك الأسر وخراب المُجتمعات، ولكنه في رأيي بداية لطاقة جديدة تتقوى بها الروابط الأسرية والحياتية والاجتماعية، وتساعد المرء على فتح أبواب وآفاق متنوعة لم تكن في حسبانه أو تخطر على باله، فتدعمه، وتقويه، وتبني له تجارب جديدة.
