سمير الهنائي
في اللحظة التي يرتفع فيها حجب الأعمال الأدبية والإبداعية ونحن في القرن الواحد والعشرين في حقيقة الأمر لا يعد منعا؛ بل تسويق يعززه الفضول لزيادة القراء حول ما تم منعه وقرارات منع الكتب تاريخيًا كانت تمثل أداة لإحكام السيطرة على الفضاء العام وباتت اليوم من منظور فكري وفلسفي تواجه معضلة كبرى أمام هذا العالم الرقمي والشبكات المفتوحة التي لا تعترف بالحدود للأوراق.
وما تعلمناه من الفلسفة، وفي أطروحات الوعي الإنساني بالتحديد بأن "الممنوع مرغوب" وهي ليست مجرد مقولة ساذجة، بل قانون سيكولوجي عميق. فعندما تصدر جهة رسمية قرارا بمنع عمل أدبي فإنها لا تضع حدا لانتشاره، بل تمنحه هالة من الغموض والجاذبية (ما يسميه الفيلسوف والتر بنيامين بنزع العادية عن الشيء).
المنع هنا يتحول إلى صك اعتراف رسمي بأن هذا النص يمتلك قوة، وبأن الكلمات تحمل بداخلها طاقة قادرة على تحريك الساكن؛ وبذلك يتحول الرقيب من حيث لا يحتسب إلى أكبر مروج لذلك العمل وقديما كان المنع يتمثل في حرق الكتب أو مصادرتها من الأرفف، لأن الكتاب حينها كان جسدا ورقيا محصورا في حيز مكاني.
أما اليوم؛ فالمعادلة الفكرية هنا اختلفت تماما ومحاولة حجب كتاب في هذا القرن الذي نحن عليه تشبه محاولة لتطويق الريح. بمجرد صدور القرار، يتحول النص الورقي إلى بي دي اف واقتباسات مكثفة تعبر القارات في ثانية واحدة وبكبسة زر، والفكرة التي سجنت في غلاف كرتوني، تصبح متاحة على الأجهزة الذكية، ليتأكد لنا فلسفيا أن "الأعمال الأدبية قد تموت ورقيا، ولكنها تبعث رقميا. والروايات في طبيعتها ليست مجرد سرد لحكايات؛ بل إعادة لتفكيك التاريخ والذاكرة بأسلوب تخييلي ونقدي والمنع الأدبي غالبا سيعكس صراعا أزلي بين "ثبات المؤسسة" و"حركية الإبداع".
المؤسسات تسعى دائما ليقين الهوية واستقرار السردية، بينما الأدب يقتات على الأسئلة والمحاكاة الساخرة ونبش المسكوت عنه. وحين يضيق الفضاء بالخيال الأدبي، فإن الخاسر الحقيقي ليس الكاتب الذي سيبحث عنه القراء بشغف مضاعف؛ بل الثقافة العامة التي هي الأخرى تفقد فرصة النقد الذاتي ونموها الطبيعي، ولطالما آمنا جميعا في هذا الوطن بأن لا لمصادرة حرية التعبير، وعلى الرقيب والمسؤول هنا- وفي هذا العصر- أن يؤمن بأن حماية المجتمعات لم تعد تدار بالمصادرة، بل بالمثاقفة والوعي والنقد المفتوح الذي علينا أن نواجه بالحوار والمناقشة، والكلمة التي كتبها الكاتب ونضجت في عقول قرائها لا يمكنها أن تختفي بقرار إداري.
لذلك ستبقى الأعمال الأدبية الممنوعة كالسائل، كلما ضيقت عليها الخناق، وجدت لنفسها مسارا جديدا وأكثر تدفقا.
