الوساطة والصراعات المعقدة

 

 

 

 

د. فاتن الدوسري **

 

تؤكد تجارب إنهاء الصراعات الدولية بجلاء- سواء العادية أو شديدة التعقيد- الدور المحوري الحاسم الذي اضطلع به الوسيط لإنهاء الصراع تمامًا، أو تجميده عند مرحلة معينة. ومع ذلك، فالوساطة ليست بالمسألة السهلة والسحرية؛ إذ إن مجرد تورط الوسيط المقبول في حل الصراع لا يمنح الأمل السريع- عكس ما يبدو دائمًا- لإنهاء الصراع ولعل الوساطة الباكستانية لإنهاء الحرب الإيرانية خير مثال حديث شاهد على ذلك.

الوساطة من الوسائل السلمية لحل الصراعات؛ أي عملية طوعية برمتها من حيث قبول أطراف الصراع للوساطة والوسيط، وممارسة الوسيط دوره بحيادية دون ممارسة أي نوع من الإكراه أو وجود شبه انحياز لأحد الأطراف.

بيد أن هذا التنميط الكلاسيكي للوساطة لا يستقيم مع واقع التجارب العملية لمعظم الصراعات لا سيما الصراعات المعقدة الطويلة. كشفت تلك التجارب أمور شديدة العجب أفرغت في كثير من الأحيان فكرة الوساطة من مضمونها، من ضمنها أن أطراف الصراع أو أحدهما قد يقبل الوساطة كتكتيك لكسب الوقت أو إضاعته أو لمآرب أخرى كثيرة. أيضًا، قد يتورط الوسيط في الصراع لمجرد الوجاهة والنفوذ وسرعان ما ينسحب من الوساطة، أو لترجيح كافة طرف على آخر.

وأهم نتيجتين على الإطلاق خلصت لها التجارب- لا سيما شديدة التعقيد- تتعلقان بقدرة الوسيط الفعلية على حل الصراع. والأُولى تتمحور حول وسيط قادر ولديه قدرات كبيرة، ومخطط شامل أيضًا في صراع طويل معقد لكن يريد أطرافه إنهائه بالفعل، وتنطبق بنسبة كبيرة على معظم الوساطات القطرية لا سيما الصراع في أفغانستان. وعلى سبيل المثال، كان لدى الولايات المتحدة رغبة أكيدة في الانسحاب من أفغانستان، وكان لدى طالبان رغبة في إنهاء الصراع والعودة للحكم، لكن كان الأمر لا يستلزم فقط وسيط يقدم مقترحات وحلول كالمعتاد في الوساطات، بل لديه موارد كبيرة للإنفاق على مسار المفاوضات الذي دام سنوات، وخلية عمل متفرغة من متخصصين لديهم أدق التفاصيل لتلك الوساطة، وشبكة إعلامية ودبلوماسية قوية لتسهيل وترويج الوساطة، ووعود حقيقية بالتنمية والتعمير في أفغانستان بعد الحرب، وشبكة علاقات دولية للضغط بصورة غير مباشرة على أطرف الصراع ...وغيره.

وبرهنت تلك السابقة وغيرها أن الوساطة ليست هي الإطار الكلاسيكي المرتبط بنزاهة وحياد الوسيط-رغم أهمية ذلك- بل عمل شاق للغاية يجب أن يؤسس على مخطط كامل وحساب التكلفة الباهظة له، ولعل فشل الوساطات السريعة لا سيما للمنظمات الدولية والإقليمية لمجرد حسن النوايا خير دليل على ذلك.

والثانية- وهي الأهم والأخطر، وبعض متخصصي الوساطة يطلق عليها "الوساطة الإكراهية" وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقوى الكبرى في حل الصراعات. في ذلك النمط تتورط قوى كبرى كوسيط في الصراع وفى الغالب برضاء أطراف الصراع لكنها تمارس ضغوط شديدة على الأطراف أو أحدهما لإنهاء الصراع، وفى بعض الأحيان التهديد باستخدام القوة لأن لها مصلحة أساسية لإنهاء الصراع. ورغم مثالب هذا النمط وإفراغ الوساطة من مضمونها تماما، لكنها من ناحية تنهى هذا الصراع لمصلحة الشعوب والاستقرار.

ومن ناحية أخرى وهي الفيصل في حل الصراعات لديها القدرة والرغبة في استدامة الحل النهائي وعدم عودة دائرة الصراع مجددًا، وهي ميزة تنفرد بها القوى الكبرى فقط لأن حل الصراعات لا ينتهي فقط بمجرد توقيع اتفاق هدنة أو سلام، بل بتوافر آليات- غالبًا خشنة- للمراقبة والردع السريع. والأمثلة متعددة، حيث اغلب الصراعات في أفريقيا أنهتها فرنسا على هذا النمط ولا تزال قواتها مرابطة هناك منذ أكثر من عقدين، الصراع في البوسنة انتهي كذلك، في مفاوضات كامب ديفيد كان النفوذ الأمريكي حاسمًا لإبرام الاتفاق.. وغيرها.

خلاصة القول.. إنَّ الوسيط ليس مجرد طرف نزيه محايد، أو ساعٍ للوجاهة؛ بل طرف ينخرط في الوساطة ولديه القدرة الفعلية على إنهاء الصراع، وغير ذلك ضربًا من العبث. وينطبق ذلك على الحرب الإيرانية التي تتزايد في الصعوبة والتعقيد بما يدفع المنطقة إلى حالة طويلة معقدة من الفوضى. وبالتالي، فهي في أشد الحاجة إلى وسيط كبير مقبول لدى طهران وواشنطن، لديه مصلحة أساسية لإنهاء الصراع، يملك أوراق ضغط كثيرة لممارسة ضغوط غير مباشرة، يمتلك حلولًا ومقترحات عملية قابلة للتطبيق، وقادرًا على استدامة الحل النهائي.

وفى تقديرنا، تعد الصين الوسيط المثالي حاليًا لا سيما وأن لديها مقترحات عملية لإعادة هندسة المنطقة على أساس التنمية والاستقرار.

** كاتبة بحرينية

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z