جهود عُمان المتواصلة في محافظة المهرة اليمنية

 

 

 

د. أحمد بن علي العمري

 

سلطنة عُمان البلد الضاربة جذوره في أعماق التاريخ العميق عندما تلتقي حضارة عُمان مع حضارة اليمن السعيد يقف الجميع إجلالًا واحترامًا وتقديرًا للحضارتين الشامختين.

إن البوابتين الرئيسيتين لهذا اللقاء التاريخي الهام هما محافظة ظفار من الجانب العُماني ومحافظة المهرة من الجانب اليمني؛ فالمحافظتان ونتيجة للامتداد الجغرافي الأزلي بينهما قد نسج ذلك أواصر من الوشائج والروابط الاجتماعية والأسرية وحتى القبلية على امتداد العصور والدهور. وفي عهد النهضة العُمانية الأولى منها والمتجددة زاد ذلك بهاءً ونماءً وتوثيقًا وتضامنًا وتوافقًا وانسجامًا حتى، عندما تشكلت لجان لترسيم الحدود بين البلدين الشقيقين الجارين تشعبت تلك اللجان وتوسعت في اختلافاتها وحتى بالغت في المطالب.. فقد طالب الجانب اليمني بجزر الحلانيات بحكم أن أيام الاستعمار البريطاني لليمن كانوا يتخذون من هذه الجزر أماكن تخزين. وفي الحقيقة أنها كانت مُؤجرة لحكومة بريطانيا من قبل حكومة عُمان… بينما طالب الجانب العُماني بجزيرة سقطرى وحتى تخوم حضرموت … فما كان من الرئيس علي عبدالله صالح إلا أن قام بزيارة للسلطان قابوس بن سعيد طيب الله ثراهما، وفي جلسة ودية وصفاء النوايا قام بإعطاء السلطان قابوس ورقة وقلماً طالبًا منه أن يرسم الحدود، وقد كان المؤتمن حريصًا على الأمانة؛ فقام السلطان قابوس برسم خط مستقيم من الجانبين الشمالي والغربي لسلطنة عُمان مع الحفاظ على قلعة حبروت بمثلث صغير جدًا، وهذه الرسمة هي التي اعتمدت حدودًا دولية بين الدولتين ووثقت لدى الأمم المتحدة وتم اعتمادها. ونتيجة لذلك فقد دخلت مدينة شحن العُمانية المكتملة وقتها مع الجانب اليمني.

وأذكر حينها أنني تأثرت بذلك جدًا فقد كان أول مشروع أشرف عليه كمهندس في بداية حياتي

العملية هو المساكن الاجتماعية في شحن التي تحولت بجرة قلم إلى اليمن، وبدأت السلطنة تقيم المدينة الجديدة في الضفة الأخرى من الحدود وفي ذات المنطقة التي أطلق عليها السلطان قابوس رحمة الله عليه نفسه اسم المزيونة التي أضحت اليوم اسماً على مسمى وهي مقر ولاية المزيونة الشامخة، وكما يقول المثل الشائع "من جاور السعيد يسعد".

ومنذ ذلك الحين ويد التنمية العُمانية ممتدة لمحافظة المهرة؛ بل أحيانًا تتقدم المحافظة اليمنية في الخدمات عن المحافظة العُمانية؛ فقد تم رصف طريق شحن الغيضة (حاضرة محافظة المهرة) على حساب السلطنة قبل أن يتم رصف طريق المزيونة ثمريت في الداخل العُماني.

هذا بالإضافة للطرق الداخلية في كل نواحي محافظة المهرة مع العيادات وسيارات الإسعاف والمدارس والمساجد. ومنذ ما يزيد على 15 سنة وعُمان تزود محافظة المهرة بتسعين ألف لتر وقود يوميًا. ومع بداية الحرب اليمنية الأخيرة توافدت على ولاية المزيونة الأعداد الكبيرة من الأجانب الذين كانوا يعملون باليمن وقد أتت التوجيهات بأن يرحل كل إلى بلاده وبدون أي ضجيج إعلامي كما هي عادة عُمان في مثل هذه المواقف الإنسانية فلم يخط قلم ولم تصور كاميرا هذا الصنيع الإنساني الجميل وحتى الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي نفسه فقد استقدمته طائرة عسكرية من اليمن إلى صلالة وبعد أن تمت الفحوصات الطبية وقضى ثلاثة أيام انتقل إلى المملكة العربية السعودية بناءً على طلبه ورغبته الشخصية.

وهكذا استمرت يد التنمية العُمانية في محافظة المهرة دون توقف ليأتي يوم الأحد 6 من شهر سبتمبر 2026 الذي تم فيه توقيع اتفاقية مشروع الربط الكهربائي بين الشبكة الكهربائية بمحافظة ظفار ومحافظة المهرة بحضور محافظي المحافظتين والمسؤولين المعنيين؛ حيث سيتم إيصال الطاقة الكهربائية إلى محافظة المهرة وبأحمال 3 ميجاوات لمنطقة حوف و5 ميجاوات لمنطقة شحن وإلى الغيضة بأحمال 50 ميجاوات؛ وذلك بهدف الاستقرار والتنمية والنهوض بالقطاعات الاجتماعية والتجارية بمحافظة المهرة.

فيا نعم الجار يا سلطنة عُمان ويا نعم الأخوة يا الجمهورية اليمنية.

أدام الله الأخوة والتراحم والود والأمن والأمان بين البلدين الجاريين الشقيقين بلا حاسد ولا واشٍ.

الأكثر قراءة

z