خلفان الطوقي
استكمالاً لمقالات سابقة في نفس الموضوع، الأولى مقالة بعنوان "التأشيرة الخليجية الموحدة" بتاريخ 13 مايو 2023، ومقالة أخرى بعنوان "الاستعداد المبكر للتأشيرة الخليجية الموحدة" بتاريخ 3 أغسطس 2024، وما شجعني لطرح الموضوع مرة أخرى تصريح معالي جاسم البديوي -الأمين العام لمجلس دول الخليج العربي- بخصوص موضوع التأشيرة الخليجية السياحية الموحدة، وبيَّن في تصريح معاليه أنَّ التأشيرة سوف تُطبَّق قريبًا على مستوى الخليج.
تم طرح موضوع التأشيرة الخليجية الموحدة إعلاميًا منذ عام 2023، وهناك تداول للموضوع نهاية كل عام قبل وأثناء وبعد القمم الخليجية، ومن المتوقع في نهاية هذا العام أن يبدأ تطبيقها عمليًا، والتي سوف تكون إحدى أهم الثمار الملموسة لمجلس التعاون لقطاعات الضيافة والسفر والسياحة، وكثير من القطاعات المساندة التي سوف تستفيد ايجاباً بشكل غير مباشر، ويكفي أن نعلم قبل تطبيق هذه التأشيرة الخليجية الموحدة أنَّ عدد السياح إلى دول الخليج يصل إلى 75 مليون سائح سنوياً، والعوائد المالية تصل إلى مبلغ 131 مليار دولار أمريكي حتى نهاية عام 2025.
وبالرغم من هذا القرار المرتقب المبشر بالخير، إلا أن توقيت تطبيق القرار يظل تحديًا بسبب أحداث الحرب الأمريكية-- الإيرانية التي تدور جُل أحداثها في منطقة الخليج العربي، والتي أثرت وسوف تؤثر على قطاعات عديدة وأهمها قطاع السياحة، إلا أنَّ هذه الأزمة إلى نهاية في يوم ما، وبالرغم من ذلك إلّا أن استعداد الدول لتطبيق التأشيرة الخليجية السياحية الموحدة من الناحية الفنية هو التزام جماعي، وهناك خطوط عريضة لابد لكل دولة من الالتزام بها، وأتوقع أن جميع الدول الخليجية الستة أكملت ما عليها من التزامات ومتطلبات.
يبقى التفاوت بين كل دولة خليجية ودولة أخرى في تفعيل التأشيرة لتضمن حصة إضافية من أعداد السياح المتوقعين وحسب الأولويات الوطنية لقطاع السياحة، وكيفية النظر إليه؛ فهناك دول لا تراه أولوية ذات أهمية قصوى، ولكن الوضع في عُمان يختلف، ويعتبر رافدا مهما، ولا بُد من تفعيل المكنونات الغنية في عُمان إلى عائد مالي يذهب ريعه إلى خزينة الدولة، وفائدة اقتصادية تدعم التوظيف والتدريب وتشغيل المؤسسات المساندة خاصة الصغيرة والمتوسطة، وتفعيل ممارسات المحتوى المحلي، وتنشيط الحركة التجارية، والاستفادة من المزايا النسبية لمحافظات السلطنة المختلفة، وغيرها من أهداف جزئية تتقاطع مع رؤية "عُمان 2040".
وعليه، إن أرادت عُمان تفعيل "الجاهزية المبكرة" للاستفادة من هذه التأشيرة لا بُد من العمل على أكثر من مبدأ ومحور، وأهم هذه المبادي:
- عمل جماعي: ألا تكون المسؤولية منفردة على وزارة التراث والسياحة، ورغم أنه يمكنها أن تترأس هذا الملف، لكن الواقع يتطلب المشاركة من باقي الجهات كشرطة عُمان السلطانية ووزارة المالية ووزارة الاقتصاد ووزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار وغرفة تجارة وصناعة عُمان، وغيرها من جهات حكومية مساندة.
- إشراك القطاع الخاص: وخاصة المعني بقطاع الضيافة والسفر والسياحة، والسبب أنهم في الميدان، ولديهم معطيات ومؤشرات، وهم على علم ودراية بأهم المبادرات التي يمكنها أن تجذب مزيدا من السياح، لذلك من المناسب إشراكهم في صياغة المبادرات مبكرا.
- التخطيط المُسبَق: الجهات المعنية والفنية على علم بالجهود الحثيثة التي نفذت لتفعيل قرار الحكومات الخليجية، وجديتها في تطبيقه قريبا، عليه، فلابد من التخطيط لما بعد القرار، ويكون في صورة مبادرات اجرائية وتسويقية ومالية.
- الدعم المالي: المبادرات الإجرائية والتسويقية والتشريعية والمالية تتطلب في أحيانٍ عديدة مبالغ مالية، لذلك، فمن الضرورة أن يتم ضخ هذه المبادرات بمبالغ مالية إذا كانت مقنعة، وتضمن إلى حد كبير ضمانات نجاح استقطاب مزيد من السياح، وزيادة عددهم تدريجيا، وبما القرار يعتبر جديدا، لابد من الاستثمار فيه إن أردنا ضمان حصول نسبة من الأعداد الناوية زيارة دول الخليج العربي.
- الوعي الحكومي بأهمية القرار: يمكن للحكومة العُمانية أن تتعامل مع القرار أنه قرار ملزم، وتم استيفاء كل المتطلبات الفنية، داعيا ومتمنيا من الحكومة بشكل تضامني أن تتعامل مع القرار وكأنه قرار استثماري بحت يهدف إلى زيادة حصة عُمان من أعداد السياح، وأن تكون إحدى أبرز الوجهات السياحية التي تستقطب أولا الأجانب من دول الخليج العربي، وثانيا السياح من كافة دول العالم، وثالثا أن تكون عُمان إحدى الوجهات السياحية للرحلات التي تهدف لزيارة أكثر من دولة خليجية.
- التشجيع الحكومي للقطاع الخاص: أن يتبنى القطاع الخاص مبادرات نوعية سواء للعمل مع شركات السفر والسياحة مع باقي دول الخليج للعمل على برامج سياحية مشتركة، أو العمل مع أسواق إقليمية وعالمية لاستقطاب سياح إضافيين.
- الإيمان بالشراكة والمنافسة في ذات الوقت: لذلك لابد للعمل على مساران، أحدهما الشراكة مع دول مجلس التعاون العربي في عدد من الملفات، ومسار آخر هو المنافسة في ملفات أخرى خاصة في كل المزايا التنافسية التي تتميز فيها عُمان عن غيرها، ولا حرج في ذلك؛ فالمنافسة الشريفة مطلوبة، وهي أمر طبيعي وصحي، ولا بُد منها، ويمارسها الجميع كلا حسب قدرته وأولوياته.
ونظرًا لأن السياحة في عُمان مُعوَّل عليها تحقيق الكثير، لذلك لا بُد من منحها الإمكانيات اللازمة، وتوفير لها الأرضية وكافة عوامل النجاح، ووضعها في قمة الأولويات، والتعامل مع هذا قرار التأشيرة الخليجية السياحية الموحدة بأعلى درجات الجدية والمسؤولية.
