د. سالم حسن الشنفري
في منطقة يغلب عليها المناخ الصّحراوي وحرارة الصّيف، تقدّم محافظة ظفار استثناءً طبيعيًا نادرًا؛ ففي الوقت الّذي ترتفع فيه درجات الحرارة بمعظم مدن شبه الجزيرة العربيّة تكتسي جبال ظفار وسهولها حلّة خضراء، وينساب الضّباب فوق قمم الهضاب والأودية؛ فيُنعش الأجواء بنسمات دافئة ويلفّ الأيادي بلمسات لطيفة. والحقيقة، لم تعد هذه الميزة مجرّد ظاهرة موسميّة جميلة فقط؛ بل تعدّت ذلك لتصبح أصلًا اقتصاديًا وطنيًا متجددًا. وهو ما يستدعي أن يُدار هذا الأصل باستحقاق وبمنطق يتجاوز مفهوم الموسم السّياحي التّقليدي.
وانطلاقًا من دورها الرّيادي، تبذل الجهات الحكوميّة؛ في مقدّمتها مكتب محافظ ظفار بقيادة صاحب السّموّ المحافظ وكذلك بلديّة ظفار برئاسة سعادة الدكتور إلى جانب بقيّة الجهات المعنيّة جهودًا مقدّرة ومشكورة في تطوير المواقع السّياحيّة والمرافق والفعاليّات والخدمات، وأسهمت هذه الجهود في ترسيخ مكانة ظفار كوجهة وقيمة سياحيّة إقليميّة. وتحدّثت الأرقام بوضوح عن حجم التّحوّل الملموس في زيادة السّيّاح؛ على سبيل المثال، ارتفع عدد زوّار خريف ظفار من نحو ما يقارب 1.048 مليون زائر في موسم 2024م إلى نحو 1.071 مليون زائر في موسم 2025م، وهذا دلالة علميّة رقميّة متنامية تفيد بأنّ خريف ظفار غدا يستقطب أكثر من مليون زائر سنويًا. ولعلّ الأهمّ من تزايد العدد هو الفترة الزّمنيّة القصيرة الّتي تركّز فيها هذا التّدفّق السّياحي. وهذا الأمر يطرح تحديًا اقتصاديًا وتنمويًا يتجاوز مجرّد استيعاب الزّوّار إلى كيفيّة تعظيم القيمة الّتي يضيفها هذا الإقبال المتنامي إلى اقتصاد المحافظة.
بناءً عليه، لم يعد السّؤال الجوهري يكمن في كيفيّة تطوير موسم الخريف؛ بل تعدّى إلى “كيف نبني اقتصادًا للخريف؟” والفرق بين المفهومين كبير؛ فالموسم يُدار بفعاليّات وخدمات مؤقّتة؛ بينما الاقتصاد يحتاج إلى منظومة استثماريّة وإداريّة وتمويليّة مترابطة قادرة على تحويل الميزة المناخيّة إلى مشروعات وفرص عمل ودخل واستثمارات وقيمة مضافة يمتدّ آثارها إلى بقيّة أشهر السّنة.
ويقتضي ذلك التّفكير في «برنامج اقتصاد خريف ظفار» بوصفه إطارًا تنمويًا متعدّد السّنوات، يجمع بين السّياحة والاستثمار والبلديّات والبيئة والنّقل والثّقافة والقطاع الخاصّ والمؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة ضمن رؤية واحدة وبمستهدفات اقتصاديّة قابلة للقياس. ولا ينبغي أن تقتصر المرحلة المقبلة على السّعي لزيادة أعداد الزّوّار فقط؛ إنّما تحتاج إلى التّركيز على رفع العائد الاقتصادي من كلّ زائر بإطالة مدّة إقامته، وتنويع إنفاقه، وتوسيع مشاركة المجتمع المحلّي في الدّورة الاقتصاديّة للخريف.
وفي هذا السّياق، يتوجّب إلقاء نظرة على ما تقدّمه التّجارب الدّوليّة النّاجحة من نماذج يمكن الاستفادة من فلسفتها دون استنساخها بطبيعة الحال؛ فلكلّ منطقة معاييرها وتوجّهاتها وإقليميّتها الخاصّة. مثلًا، أعادت نيوزيلندا استثمار جزء من مساهمات الزّوّار في تطوير البنية السّياحيّة وحماية الطّبيعة، واتّجهت البندقيّة إلى إدارة الطّلب السّياحي في أيّام الذّروة من خلال نظام رسوم دخول وحجز مسبق لزوّار اليوم الواحد في أيّام محدّدة بهدف تخفيف الضّغط على المدينة التّاريخيّة. إنّ القاسم المشترك بين هاتين التّجربتين يتمثّل في أنّ الوجهة السّياحيّة لم تعد تُدار بعدد الزّوّار فقط؛ بل بقدرتها على تحويل السّياحة إلى قيمة اقتصاديّة مع حماية أصولها الطّبيعيّة، وتمكّنها من إعادة استثمار جزء من عوائدها في تطوير نفسها. وبناءً عليه، يمكن لموسم ظفار السّياحي أن يصوغ نموذجه الخاصّ الّذي يحوّل الخريف من مجرّد موسم ناجح إلى “اقتصاد سياحي” أكثر استدامة.
تبعًا لذلك، يمكن كذلك تطوير نموذج «ظفار متعدّدة الوجهات». ولا تظلّ التّجربة السّياحيّة مرتبطة بعدد محدود من المواقع المعتادة المعروفة؛ بل تتحوّل المحافظة بكامل امتدادها الجغرافي إلى خريطة متنوّعة للمنتجات السّياحيّة. بحيث يمكن للسّاحل أن يقدّم تجربة مختلفة عن الجبل، وتقدّم البادية تجربتها الخاصّة المختلفة عن الأودية، ويتفرّد الشّرق بتجربته المختلفة عن الغرب. وبذلك يصبح تراث القرى من حرف ومأكولات محلّيّة ومنتجات زراعيّة جزءًا لا يتجزّأ من سلسلة القيمة السياحيّة، وليس مجرّد عنصرٍ جانبي فيها. والغاية من ذلك، أن ينتقل الزّائر من استهلاك المكان إلى اكتشافه، وأن تنتقل الاستثمارات معه إلى نطاق جغرافيّ واقتصاديّ أوسع.
لذا، يبرز الاحتياج الفعلي إلى رفد هذا المسار بمشاريع ترفيهيّة نوعيّة مستدامة في مواقع مدروسة تستثمر التّضاريس الطّبيعيّة؛ مثل حديقة حيوانات حديثة بمعايير بيئيّة متقدّمة، وحدائق للمغامرات والأنشطة العائليّة، وزحليقة أو أفعوانيّة جبليّة (Mountain Coaster) بالتّزامن مع تقديم منتجات ثقافيّة وتراثيّة وتجارب ريفيّة وزراعيّة. وإذا ما طُوّرت هذه المشاريع بالشّراكة مع القطاع الخاصّ ستخلق يقينًا أصولًا سياحيّة متنوّعة يمكن تشغيل بعضها طوال العام، وبذلك تُوسّع حتمًا من خيارات الزّائر وتطيل مدّة إقامته وترفع متوسّط إنفاقه.
وبما أنّ الجانب الرّقمي لا تقلّ أهميّتُه عن الاستثمار المادّي؛ فيمكن إنشاء «مركز إدارة الوجهة السّياحيّة لخريف ظفار» يقوم بدور العقل الاقتصادي والتّشغيلي للموسم؛ بحيث يجمع بيانات الإيواء والفعاليّات والطّقس وكثافة المواقع وأنماط الإنفاق وحركة الزّوّار، ويربطها بمنصّة رقميّة موحّدة. وبذلك تغدو البيانات عنصرًا فعّالًا لا يُستخدم لمعرفة ما حدث بعد انتهاء الموسم فحسب؛ بقدر ما يستهدف التّنبّؤ بالطّلب، وتحسين توزيع الخدمات، ومساعدة المستثمرين، ورفع كفاءة إدارة الوجهة أثناء الموسم نفسه.
أمّا التّمويل؛ فإنّه يحتاج بدوره إلى قدر من الابتكار، وفي هذا السّياق يمكن طرح دراسة لإنشاء «صندوق تطوير خريف ظفار» وفق إطار اقتصادي وتشريعي واضح، ترفده نسبة من عوائد الامتيازات والفعاليّات والخدمات والاستثمارات المرتبطة بالموسم إضافةً إلى ما تقدّمه شّركات النفط من دعم في إطار المسؤوليّة الاجتماعيّة؛ بحيث توجّه هذه الموارد إلى دعم المبادرات النّوعيّة وتطوير المنتجات السّياحيّة والمواقع الطّبيعيّة والتّشجير والمرافق والبنية الرّقميّة. ويتمحور الطّرح هنا حول فرضيّة إعادة استثمار الخريف لجزء من القيمة الّتي يصنعها في تطوير ذاته؛ بما يقلّل تدريجيًا من الاعتماد الكامل على الموازنات الحكوميّة التّقليديّة.
ويظلّ التّحوّل الأبرز مرتبطًا بمعيار النّجاح؛ عبر إطلاق «مؤشّر القيمة الاقتصاديّة لخريف ظفار» ليقيس متوسّط إنفاق الزّائر، ومدّة الإقامة، والإشغال الفندقي، والقيمة المضافة المحلّيّة، والوظائف الّتي ولّدها الموسم، وحصّة المؤسّسات الصّغيرة والمتوسّطة من الإنفاق السّياحي، وحجم الاستثمارات الجديدة، ورضا السّكّان والزّوّار، إلى جانب مراجعة الأثر البيئي ومدى الحفاظ عليه.
ولتحويل هذه الرّؤية إلى واقع، يُمكن تلخيص الأولويّات في خمسة مسارات متكاملة: إطلاق برنامج متعدّد السّنوات لاقتصاد خريف ظفار بمستهدفات ومؤشّرات أداء واضحة، اعتماد نموذج «ظفار متعدّدة الوجهات» لتوسيع الخريطة الاستثماريّة والسّياحيّة، إنشاء مركز متكامل لإدارة الوجهة وبياناتها، تطوير منتجات سياحيّة نوعيّة بالشّراكة مع القطاع الخاصّ قابلة للعمل خارج الموسم، ودراسة إنشاء صندوق تطوير الخريف ومؤشّر سنوي لقياس قيمته الاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة.
خلاصة القول، خريف ظفار نجح فعليًا في بناء الطّلب، وحان الوقت للانتقال إلى المرحلة الأصعب وهي؛ “تحويل هذا الطّلب إلى اقتصاد”. باعتبار أنّ الخريف يتعدّى مفهومه الزّمني كمجرّد ثلاثة أشهر في التّقويم إلى مورد اقتصادي نادر يتجدّد كلّ عام. وباعتبار أنّ الموارد النّادرة لا يكفي أن نحتفي بها؛ بل ينبغي أن نرفع من قيمتها ونحسّن من استثمارها ونحافظ عليها. وختامًا سيتحوّل السّؤال بانتهاء كلّ خريف من: كم زائرًا استقبلنا؟ إلى أسئلة بنّاءة: كم قيمة اقتصاديّة صنعنا؟ وكم بقي منها في ظفار وأسهم في الاقتصاد الوطني وجودة حياة الإنسان طوال العام؟
