شركاء لا فرقاء

 

 

عباس الزدجالي

abbas@omanamana.com

لم تعد مشكلة الباحثين عن عمل في السلطنة بحاجة إلى مزيد من الدراسات والفلسفات وتبادل الأعذار، بل إلى شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، وإرادة واضحة تحوّل الخطط والوعود إلى وظائف فعلية، فقد طال الانتظار، ولم يعد مقبولًا أن يبقى أبناؤنا وبناتنا عالقين بين قطاع خاص يبرّر، وقطاع عام يخطط ويراقب من دون أن تنتهي المشكلة.

وبحسب أحدث بيانات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات حتى نهاية يوليو 2026، بلغ عدد العاملين الوافدين في السلطنة نحو ١.٨٣٦ مليون، منهم أكثر من ١.٤ مليون في القطاع الخاص، بينما بلغ معدل الباحثين عن عمل ٢.٤%، بما يعادل تقديرًا نحو ٦٧ ألف باحث وباحثة. وهذه الفجوة الواسعة لا تعني أن كل وظيفة يشغلها وافد قابلة للإحلال المباشر، لكنها تؤكد أن سوق العمل ليس عاجزًا عن استيعاب هذا العدد من المواطنين إذا توافرت الإرادة والتخطيط والتدريب الجاد.

فالقطاع الخاص لم يعد في وسعه الاستمرار في ترديد مبررات نقص الخبرة والمهارة، بينما يستسهل استقدام العامل الجاهز والأقل كلفة. لقد استفاد هذا القطاع من البنية الأساسية والاستقرار والحوافز والإعفاءات والعقود الحكومية، ومن حق الوطن عليه أن يكون شريكًا حقيقيًا في تدريب العُمانيين وتشغيلهم ونقل الخبرة إليهم، ومنحهم مسارات واضحة للترقي والقيادة، لا حصرهم في وظائف محدودة الأجر والمستقبل لاستكمال نسب التعمين على الورق.

أما القطاع العام، فليس مراقبًا بريئًا، ولا يملك إلقاء الكرة في ملعب الشركات؛ فهو المشرّع والمنظّم والمخطط، وهو الذي يصدر تصاريح الاستقدام ويحدد نسب التعمين ويملك أدوات التفتيش والمحاسبة. واستمرار المشكلة عقودًا يعني أن السياسات المتعاقبة أخفقت في ضبط سوق العمل، وفي مواءمة التعليم والتدريب مع احتياجات الاقتصاد، وفي منع التعمين الصوري والتحايل عن طريق العقود الخارجية وإسناد الوظائف إلى شركات فرعية.

ولا يكفي الإعلان عن أعداد الوظائف المستهدفة؛ بل يجب نشر نتائج دورية تبين الوظائف الفعلية والمستدامة، ورواتبها ومهنها وتوزيعها الجغرافي، وعدد من استمروا فيها. كما ينبغي ربط تصاريح استقدام العمالة والحوافز والعقود الحكومية بالتزام المنشآت بالتدريب والإحلال النوعي، ووضع خطط زمنية للمهن التي يتوافر لها باحثون مؤهلون، ومحاسبة الجهات والشركات التي تتكرر أعذارها من دون نتائج.

هذه ليست دعوة للاستغناء عن الخبرات الوافدة التي أسهمت في تنمية السلطنة، وإنما دعوة إلى إعادة ترتيب الأولويات. فالوطن الذي اتسع سوق عمله لأكثر من ١.٨ مليون وافد قادر على احتضان أبنائه وبناته، وهم بكل بساطة أحق بفرص وطنهم.

القطاعان مطالبان بأن يكونا شريكين لا فريقين في الحل، لكن عليهما أولًا الاعتراف بأنهما شريكان أيضًا في هذا الفشل. وكفى تبريرًا ومزايدات؛ فالقضية لا تحتمل مزيدًا من الانتظار ما دام أبناؤنا باحثين عن أملٍ في عمل، وعن مستقبل يليق بهم.

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z