من وراء «سرقة» مضيق هرمز جغرافيًا وإدخاله في الصراعات؟

 

 

بقلم: د. جمالات عبدالرحيم

مضيق هرمز ما كان يومًا «أمريكيًا»، ولا «إسرائيليًا»، ولا حتى «دوليًا» بمعنى السيطرة.

هو منذ آلاف السنين مياه إيرانية وعُمانية، وشريان حياة، وليس ورقة في لعبة شطرنج.

لكن فجأة دخل المضيق في صراعات الكبار، وأصبح اسمه على كل لسان: عقوبات، بوارج، تهديدات، إغلاق.

فمن وراء محاولة «سرقته جغرافيًا»؟ ولماذا الآن؟

1. هل هو أرض مِلك لأمريكا وإسرائيل؟ سؤال «الورثة»

لا بد أن نطرح بعض الأسئلة:

هل هو أرض فنزويلا التي اختُطف رئيسها، ولم يحرره أحد من الظلم؟

هل هو أرض كندا حتى يكتبها ترامب باسم أمريكا بمزاجه؟

هل هو أرض إسبانيا حتى يتسبب في حرب بينها وبين المغرب، ويسلّح المغرب بالأسلحة، ويبيع ما يشاء من الطائرات، ويقبض المليارات من الدولارات؟ وللأسف، هذا نظام صفقات، فهذه صفة ترامب: رجل الصفقات.

هل هو أرض فلسطين المحتلة أو الجولان، اللذان كتب ترامب بشأنهما قرارات واعتبرهما هدية لإسرائيل؟

أم أنه أرض أناس أموات بلا ورثة؟

الإجابة: لا، وألف لا.

المضيق له أصحاب، وله ورثة، وله سيادة.

والمضيق، جغرافيًا وتاريخيًا، يرتبط بإيران وسلطنة عُمان، بينما لا تعني حرية الملاحة فيه امتلاك السيادة عليه.

2. فمن الذي يريد «سرقته»؟ ولماذا كشف ترامب وإسرائيل عن وجههما المقنّع؟

ليست سرقة أرض بالمعنى الحرفي، وإنما هي محاولة لـ«سرقة» القرار، و«سرقة» السيادة، و«سرقة» المستقبل.

والثلاثي، بحسب هذا الطرح، هو: أمريكا وإسرائيل وحلفاؤهما.

والهدف، كما يُطرح، معلن وواضح:

أولًا: السيطرة على نفط الخليج.
يمر جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، ومن ثم فإن السيطرة على المضيق تمنح نفوذًا واسعًا على حركة الطاقة والاقتصاد العالمي.

ثانيًا: خنق إيران.
ضرب الاقتصاد الإيراني بالعقوبات، وفرض الضغوط البحرية، والتهديد المستمر، بهدف دفع طهران إلى القبول باتفاقات وفق شروط الطرف الآخر.

ثالثًا: منع تحالف الشرق.
محاولة قطع أو إضعاف العلاقات بين روسيا والصين وإيران، حتى لا يتشكل «محور» جديد في مجالات الطاقة والسلاح يمكن أن يتحدى الهيمنة الغربية.

3. كيف يمكن أن تتم محاولة السيطرة عليه؟ ثلاثة أنواع من الضغوط

1. الضغط العسكري:
بوارج وأسطول خامس في البحرين، ومناورات متكررة، وطائرات دون طيار، تحت عنوان «حماية الملاحة»، بينما يرى منتقدو هذه السياسات أنها تتحول عمليًا إلى وسيلة لفرض الهيمنة.

2. الضغط السياسي:
تصريحات تعتبر أن «أمن هرمز أمن قومي أمريكي»، رغم أن المضيق جغرافيًا يقع ضمن نطاق دول المنطقة، ومحاولة تحويل قضية إقليمية إلى قضية دولية.

3. الضغط الاقتصادي:
فرض عقوبات على الدول التي تشتري النفط الإيراني، وتهديد شركات التأمين، والضغط على ناقلات النفط، واستخدام الأدوات الاقتصادية لدفع إيران إلى الخضوع.

4. فأين ورقة العمل؟ وأين الخطاب الفاصل؟

كيف لا يكون هناك موقف واضح وحاسم؟

فأين أصحاب القرار، وأين الدول المطلة على الخليج، وفي مقدمتها إيران وسلطنة عُمان والإمارات؟

أين القمة الخليجية التي تقول كلمة واحدة؟

أين الخطاب الموحد الذي يقول:

«هذه مياهنا، وهذا قرارنا. ومن يريد المرور فأهلًا وسهلًا، ولكن وفق القانون. ومن يريد السيطرة، فعليه أن يواجهنا جميعًا».

لكن ما يحدث هو العكس.

كل دولة تتحرك منفردة؛ هناك مخاوف، ومصالح، وقواعد عسكرية أمريكية.

وأصبح لا يوجد «صوت خليجي-إسلامي» موحد يفصل في الأمر ويقول: كفى لعبًا بمقدراتنا.

5. الربط: نفس قصة الكرة ونفس الوجع

مثلما قلنا في قصة الكرة تمامًا، سرقت السياسة الكرة من الرياضة.

واليوم تسرق السياسة الجغرافيا من الخريطة.

وحينما يكون «المدرب» عنصريًا وأمريكيًا وغير متميز، مثل ترامب، تصبح المعركة خاسرة، ويتحول المشهد إلى نظام من الهمجية والتخلف والبلطجة.

وهنا، لا أحد يريد أن يتحمل المسؤولية ويقول: «المضيق في أرضنا وخط أحمر»، بسبب التهديدات الأمريكية والإسرائيلية.

وفي السياسة، تتحمل إيران ضغطًا كبيرًا، في وقت تتحمل فيه دول أخرى تبعات خياراتها السياسية، ولا سيما الدول التي فضّلت التطبيع مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

فمن الذي يحمل العبء على كتفيه، وكأننا في ملاعب كرة القدم، والجميع يتفرج على نتيجة المباراة أو الاتفاقيات التي تعلنها الولايات المتحدة والدول المحايدة؟

الخاتمة

المعركة ليست دينية ولا مذهبية.

المعركة، في جوهرها، معركة نفط ومضايق وتحكم في مصير أمة.

مضيق هرمز ليس أمريكيًا، ولن يكون.

ليس أرض فنزويلا حتى تُختطف.

وليس أرض كندا حتى تُكتب باسم أحد.

وليس أرض فلسطين حتى تُصادر.

إنه ممر مائي استراتيجي، تتصل سيادته بالدول الساحلية، وعلى رأسها إيران وسلطنة عُمان، بينما تخضع الملاحة فيه للقواعد والقوانين الدولية.

ومن يقف وراء محاولات الهيمنة معروف، والهدف معروف، والحل معروف: ورقة عمل موحدة، وخطاب حاسم، وموقف خليجي واحد.

إذا سكتنا اليوم على محاولات السيطرة على المضيق، فغدًا قد تُنتزع السيطرة على النفط، وبعده القرار، وبعده التاريخ.

أليس النظام الأمريكي-الإسرائيلي هو الذي أدخل المنطقة العربية في صراعات وحروب مع إيران؟

والآن انكشفت، بحسب هذا الطرح، حقيقة ما وصفه الكاتب بـ«التنمر المقنّع».

فالولايات المتحدة تريد الهيمنة على الممرات والمنافذ، والأنهار، والأراضي، والعالم كله.

وهنا يبقى السؤال: إلى متى تبقى المنطقة متفرقة أمام صراعات تُرسم خرائطها ومصالحها من خارجها؟

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z