د. خالد بن علي الخوالدي
في الثامن من مايو عام 2018 كتبت مقالاً طالبت فيه بإبعاد الشاحنات عن طريق الباطنة العام وتحويل حركتها إلى طريق الباطنة السريع، الذي كان افتتاحه آنذاك يمثل واحداً من أكبر وأهم مشروعات الطرق المنفذة في سلطنة عُمان، وكنت أرى أن وجود هذا الطريق الحديث والمتعدد الحارات يتيح فرصة حقيقية لإعادة تنظيم حركة الشاحنات، وتخفيف الضغط عن الطريق العام الذي يمر وسط المدن والقرى والتجمعات السكانية.
لقد تطور طريق الباطنة السريع خلال السنوات الماضية، وأصبحت الخدمات المتوفرة عليه وفي محيطه أفضل مما كانت عليه عند افتتاحه، وبالتالي فإن من أفضل الخيارات المتاحة في المرحلة الحالية العمل على إبعاد حركة الشاحنات قدر الإمكان عن طريق الباطنة العام وتحويلها إلى الطريق السريع، خصوصا الشاحنات العابرة لمسافات طويلة والتي لا ترتبط وجهتها بالتجمعات الواقعة على الطريق العام.
واليوم وبعد الحادث المروري المؤسف الذي وقع الأسبوع الماضي في ولاية سمائل، وما نتج عنه من وفيات وإصابات، يُعيد أمامنا أهمية النظر بجدية إلى حركة الشاحنات الثقيلة ووجودها في الطرق المشتركة مع المركبات الصغيرة، خصوصا مع تزايد أعداد المركبات واتساع النشاط الاقتصادي والعمراني وارتفاع حركة النقل البري والشاحنات الثقيلة على الطرق، فالحل الأفضل على المدى البعيد ليس فقط نقل الشاحنات من طريق إلى طريق آخر، وإنما التخطيط لإنشاء طرق ومسارات خاصة بالشاحنات، تكون جزءا من منظومة النقل المستقبلية في سلطنة عُمان، ولا سيما في المحافظات والمناطق التي تشهد حركة كثيفة للنقل التجاري والصناعي.
ولا ينبغي بطبيعة الحال أن نختزل أسباب الحوادث المرورية في الشاحنات وحدها، فالحوادث لها أسباب متعددة تتعلق بالسائق والطريق والمركبة والسرعة والانتباه وغيرها، لكن اختلاف أحجام المركبات وأوزانها وقدرتها على التوقف والمناورة يجعل الفصل بين حركة الشاحنات الثقيلة والمركبات الخفيفة، متى ما كان ذلك ممكنا، خيارا يستحق الدراسة الجادة من منظور السلامة المرورية وتنظيم النقل معًا.
وفكرة تخصيص طرق أو مسارات لحركة الشاحنات ليست جديدة عالميا، فهناك تجارب متعددة في دول مختلفة تقوم على فصل جزء من حركة النقل الثقيل عن الحركة اليومية للمركبات، خصوصًا في المناطق الصناعية والموانئ والمراكز اللوجستية والممرات التي تشهد كثافة عالية للشاحنات.
وعُمان اليوم تتوسع اقتصاديًا ولوجستيًا، ولدينا موانئ ومناطق صناعية واقتصادية وحرة، كما تتطور شبكة الطرق وتتزايد حركة نقل البضائع بين المحافظات والمنافذ والموانئ والمناطق الصناعية، ومن هنا فإن التخطيط لطرق الشاحنات يجب ألا ينظر إليه باعتباره مشروعا لحل مشكلة آنية، وإنما باعتباره جزءًا من البنية الأساسية التي ستحتاج إليها السلطنة خلال العقود المقبلة.
إن تخصيص طرق للشاحنات ستكون له آثار تتجاوز مسألة الحوادث المرورية، فهو قد يسهم في انسيابية حركة المركبات وتقليل الضغط على بعض الطرق والحد من التلف الذي تتعرض له الطرق الداخلية والعامة نتيجة الأوزان الثقيلة، إلى جانب رفع كفاءة النقل التجاري واللوجستي وتنظيم حركة الشاحنات بصورة أكثر احترافية.
وينبغي ألا تمر الحوادث المؤلمة علينا باعتبارها أرقاما وأخبارا عابرة، وإنما يجب أن تدفعنا دائماً إلى مراجعة الحلول والبحث عن خيارات أكثر أمانا للمستقبل، فإنشاء طرق خاصة بالشاحنات قد تبدو اليوم فكرة تحتاج إلى وقت وكلفة وتخطيط، لكنها في تقديري أصبحت ضرورة تستحق أن نبدأ التخطيط لها من الآن؛ لأن التأخر في التخطيط اليوم قد يجعل تنفيذها غدًا أكثر صعوبة وكلفة.
