خالد بن سالم الغساني
عدوانُ دولة الاحتلال الإسرائيلي، لا يقتصر على القنابل والصواريخ والدبابات، فقد امتدت أدواته إلى الأرض نفسها، وإلى كل ما يجعل الحياة ممكنة فوقها؛ فإحراق الحقول، وتجريف الأراضي، واقتلاع الأشجار، والإضرار بالتربة وقدرتها على الإنتاج، أصبحت أفعالًا من صميم الحرب ووجهًا آخر من وجوهها؛ حرب تستهدف الإنسان في أمنه وغذائه ومصدر رزقه، وتسعى إلى إنهاك قدرته على البقاء والصمود. لتصبح الأرض كلها ومن عليها وما عليها ساحة للمعركة.
عمليات الرش الجوي التي شهدتها أراضٍ زراعية في جنوب سوريا ولبنان مطلع عام 2026 أبعد من أن تكون حوادث بيئية فقط؛ فهي تطرح أسئلة تتجاوز طبيعة المادة التي جرى رشها إلى الطريقة التي تتعامل بها إسرائيل مع الأرض المحيطة بحدودها؛ إذ لا تقتصر القوة على إصابة هدف عسكري مباشر، وإنما تمتد آثارها إلى البيئة والزراعة ومصادر رزق الناس، إنها تمتد وتستهدف عن سبق إصرار وترصد وتصميم الشروط التي تجعل بقاء الإنسان على أرضه ممكنًا.
في أواخر يناير 2026، شهد ريف القنيطرة السوري حوادث موثقة رسميًا، نقلتها الوكالة السورية الرسمية للأنباء، لطائرات إسرائيلية قامت برش مواد مجهولة على مساحات من الأراضي، من جباتا الخشب باتجاه الحميدية مرورًا بالحرية، مع ورود تقارير عن عمليات مماثلة في مناطق أخرى من المحافظة. وبعد أيام، تكرر المشهد في جنوب لبنان، ولكن بصورة أتاحت قدرًا أكبر من التوثيق؛ فقد أبلغ الجيش الإسرائيلي قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان مسبقًا بأنه سينفذ نشاطًا جويًا لإسقاط مادة قال إنها غير سامة، وطُلب من قوات اليونيفيل الابتعاد والاحتماء، ما أدى إلى تعطيل أنشطة القوة الدولية على أجزاء واسعة من الخط الأزرق لساعات.
وجاءت نتائج الفحوص اللبنانية لتنقل القضية من دائرة الشكوك العامة إلى نطاق أكثر تحديدًا. فقد أثبتت التحاليل وجود مادة "الغليفوسات"، وهي مُبيد أعشاب واسع الاستخدام، وسجَّلت بعض العينات المأخوذة من المناطق المستهدفة تراكيز مرتفعة بصورة استثنائية مقارنة بالمستويات المعتادة في التربة الزراعية بعد الاستخدام المباشر.
لكن خطورة الواقعة بغض النظر عن اسم المادة وتصنيفها العلمي والقانوني، تبدأ بسؤال يسبق ذلك كله: بأي حق تُنتهك سيادة دولة وتُرش مواد كيميائية على أراضيها ومزروعاتها من خارج حدودها؟
النتائج العلمية لنوعية المادة والتحقيقات فيها، لا يعني تعليق الحكم على خطورة انتهاك السيادة واستهداف الأراضي الزراعية، وإنما يعني تحديد الطبيعة الدقيقة للأداة المستخدمة وحجم آثارها والمسؤوليات المترتبة عليها.
لقد بلغ عتو دولة الاحتلال وتجبّرها حدًا جعلها تتصرف وكأن أعراف الدول وقوانينها وحدودها لا وزن لها. وإذا كانت إسرائيل تقدم مبررات أمنية لمثل هذه العمليات، فما علاقة الأمن بحق المزارع في أرضه ومحصوله؟ ولماذا تتحول النباتات والتربة والبيئة الزراعية إلى جزء من المجال الذي يقرر الجيش الإسرائيلي ما ينبغي أن يبقى فيه وما ينبغي أن يُزال؟
المسألة، بهذا المعنى، أكبر من اسم المادة التي جرى رشها. إنها تتعلق بوظيفة الأرض نفسها في الصراع؛ فالأرض- بالإضافة إلى كونها مساحة جغرافية- هي قبل ذلك مصدر رزق وبيت وذاكرة، وهي أحد أهم أسباب بقاء الناس في قراهم. وحين تصبح الزراعة محفوفة بالخطر، ويتردد المزارع في العودة إلى حقله، وتصبح التربة والمياه والمحاصيل موضع شك، فإن الضرر لا يقع على نبات أو موسم زراعي فحسب، وإنما يصيب علاقة الإنسان بأرضه وقدرته على الاستمرار فيها.
وهذا بُعد لازم لفهم المشروع الصهيوني تاريخيًا؛ فالصراع لم يكن على الإنسان وحده، وإنما كان، منذ بداياته، صراعًا على الأرض: من يملكها، ومن يسكنها، ومن يستطيع البقاء عليها، ومن يملك القدرة على إعادة تشكيلها ديموغرافيًا وأمنيًا واقتصاديًا.
يمكن هدم بيت ثم إعادة بنائه، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما يُضرب مصدر الحياة المحيط بالبيت؛ عندما يصبح الحقل غير مأمون، أو تتضرر الأشجار، أو يخشى المزارع أن تكون تربته أو مياهه قد تعرضت لمواد لا يعرف طبيعتها ولا آثارها. عندها يتحول الضغط على الأرض إلى وسيلة للضغط على الإنسان نفسه.
وفي الحالة السورية، لا تأتي حوادث الرش من فراغ؛ فقد شهد جنوب سوريا خلال المرحلة الأخيرة انتهاكات إسرائيلية متعددة الأشكال، من التحركات العسكرية والتوغلات إلى الاعتقالات والغارات وفرض وقائع أمنية جديدة في بعض المناطق. ولذلك يصعب النظر إلى طائرة ترش أرضًا زراعية باعتبارها حادثة منفصلة عن المشهد الأوسع الذي تتحرك داخله.
السياسة الإسرائيلية قامت في جانب مهم من تاريخها، على صناعة الوقائع أولًا، ثم دفع الآخرين إلى التعامل معها لاحقًا باعتبارها جزءًا من الواقع الجديد. وليس مطلوبًا دائمًا إعلان تحول كبير دفعة واحدة؛ فقد يبدأ الاستثنائي صغيرًا: غارة، ثم توغل محدود، ثم نقطة عسكرية، ثم نطاق أمني، حتى يصبح ما كان يُعد انتهاكًا غير مقبول بالأمس جزءًا من واقع تبدأ الحسابات والمفاوضات انطلاقًا منه غدًا.
وهذه إحدى آليات القوة الإسرائيلية الأكثر فاعلية: دفع حدود الممكن قليلًا في كل مرة، واختبار ردود الأفعال، وقياس الكلفة، ثم تثبيت ما يمكن تثبيته.
لكن ذلك يقود، في الحالة السورية تحديدًا، إلى سؤال آخر لا يقل أهمية عن السؤال المتعلق بما تفعله إسرائيل: أين الدولة السورية؟
وأين تلك السيادة التي تتحدث عنها دمشق كلما أرادت تأكيد شرعية سلطتها وحقها في إدارة البلاد؟ وأين حماية الأرض السورية حين تستطيع طائرة إسرائيلية أن تدخل الأجواء السورية، وتحلق فوق قرى القنيطرة، وترش مواد مجهولة على أراضي السوريين، ثم تعود من حيث أتت؟
إذا لم تكن السيادة في أبسط معانيها، مسؤولية عن الأرض والسماء والإنسان، فما الذي يبقى من معناها؟
