آخر مرة

 

ريتّا دار

darrita936@gmail.com

لديّ تاريخ طويل من الأشياء التي فعلتها «للمرة الأخيرة» أكثر من مرة.

آخر مرة أسهر حتى الثالثة صباحًا. آخر مرة أطلب طعامًا بكميات كبيرة تحت تأثير نوبة جوع. آخر مرة أشتري شيئًا فقط لأن عليه تخفيضات. آخر مرة أدخل في نقاش أعرف مسبقًا أنه لن يصل إلى مكان. وآخر مرة أعطي شخصًا فرصة إضافية، بعد أن استهلك من الفرص ما يكفي لإنقاذ سبع علاقات جديدة.

والغريب أنني في كل مرة أقولها، أكون صادقة تمامًا.

لا أشعر أنني أبالغ، ولا أنني أقول كلامًا سأضحك عليه غدًا. على العكس، أنطق «هذه آخر مرة» بالثقة نفسها التي يعلن بها متحدث رسمي قرارًا سياديًا لا رجعة فيه.

ثم أتراجع عنه بعد ساعات.

ولهذا بدأت أشك بقراراتي قليلًا لأن عبارة «هذه آخر مرة» أحيانًا تعني فقط: «أنا منزعجة جدًا الآن، وسنراجع الموضوع بعد أن أهدأ».

خذوا الطعام مثلًا.

بعد وجبة ضخمة، أصل عادةً إلى مرحلة من الشبع تجعلني أنظر إلى الطعام نظرة شخص اكتشف للتو أن بينهما خلافًا أخلاقيًا قديمًا.

أقول بحزم: انتهى. من الغد سأخفف الأكل. سأهتم بصحتي. لا مزيد من الحلويات. ولا طلبات في منتصف الليل.

وفي تلك اللحظة أكون مقتنعة فعلًا أن علاقتي بالطعام اللذيذ -الغير صحي غالبًا- قد انتهت إلى الأبد.

لكن الحقيقة أنني لم أتخذ قرارًا صحيًا. أنا فقط أشعر بالتخمة.

بعد عدة ساعات، عندما تستعيد معدتي قدرتها على استقبال المفاوضات، تبدأ بمراجعة بنود الاتفاقية من جديد. ومعدتي مفاوضة لا يستهان بها، وهي تعرف مسبقًا أنني الطرف الأضعف وتعرف تمامًا متى تقدم عرضًا لا أملك الإرادة لرفضه. ولا أظن أنني الوحيدة التي خسرت أمام معدتها قضية كانت تبدو محسومة.

وينطبق الأمر نفسه على التسوق؛ حيث أدخل متجرًا لشراء غرض واحد، وأخرج بثلاثة أكياس مليئة بأغراض لا أعرف في أي لحظة قررت أن حياتي كانت ناقصة دونها. أعود إلى المنزل، أنظر إلى مشترياتي، وتبدأ جلسة محاسبة داخلية قصيرة مع قليل من تأنيب النفس، وأعلن في النهاية: «هذه آخر مرة أشتري شيئًا لا أحتاجه لمجرد أنه عليه خصم».

أكون صادقة جدًا، نادمة جدًا، وبكامل الاستعداد لبدء حياة مالية أكثر نضجًا.

ثم يأتي الخصم التالي.

شيء كان سعره مئتي درهم وأصبح تسعين. وهنا يحدث تحول اقتصادي عجيب في دماغي. لم أعد امرأة تفكر في إنفاق تسعين درهمًا على شيء لا تحتاجه، بل إنسانة مسؤولة تحاول إنقاذ مئة وعشرة دراهم من الضياع.

وأشتريه. فلا يجوز، في النهاية، أن نسمح للمال أن يذهب هباءً.

أما النوم، فله سلسلة طويلة خاصة به من «آخر مرة».

كل ليلة أسهر فيها أكثر مما ينبغي، أقرر أن أصبح في اليوم التالي واحدة من أولئك الأشخاص الذين ينامون باكرًا ويستيقظون بنشاط ويشربون الماء فور استيقاظهم، وربما يفتحون النافذة ويتأملون الشمس أيضًا.

لا أعرف هؤلاء الأشخاص شخصيًا، لكنني أحترمهم.

أضبط المنبه، وأضع الهاتف بعيدًا، وأقرر أن حياتي الجديدة ستبدأ غدًا.

ثم يأتي الغد، ويأتي الليل، وتصبح الساعة الثانية عشرة والنصف، فأقول لنفسي: «سأشاهد شيئًا صغيرًا قبل النوم».

وهذه الجملة تحديدًا كانت مسؤولة عن تدمير خطط أكثر من سوء الإدارة.

بعد ساعات أجد نفسي أشاهد مقطعًا عن امرأة أعادت ترتيب مطبخها في كندا، ولا أعرف المرأة ولا المطبخ ولا لماذا أصبح مصير علب البهارات يعني لي كل هذا.

لكن أخطر أنواع «آخر مرة» ليست تلك التي نقولها للطعام أو التسوق أو النوم.

إنها التي نقولها ونحن مجروحون.

«هذه آخر مرة أسمح له بأن يعاملني هكذا».

«هذه آخر فرصة».

«لن أراسلها مجددًا».

وهنا يصبح المشهد أكثر جدية.

نحذف المحادثة. نضع الهاتف بعيدًا. نستعيد كرامتنا كاملة خلال عدة دقائق. وقد نختار أغنية مناسبة، لأن القرارات المصيرية، كما يبدو، تحتاج إلى موسيقى تصويرية.

وفي تلك اللحظة يبدو القرار صلبًا جدًا.

ثم ننام.

وفي الصباح، يستيقظ معنا محامي الدفاع الداخلي.

«ربما لم يقصد».

«ربما كان مضغوطًا».

«صحيح أنها فعلت الشيء نفسه أربع مرات، لكن هذه المرة كانت مختلفة قليلًا».

وبعد نصف ساعة من المرافعات، يتحول الحكم النهائي الذي لا يقبل الاستئناف إلى: «لن أفعل شيئًا.. سأرى فقط ماذا سيحدث».

ومن هنا بدأت أفهم أن المشكلة ربما ليست في ضعف إرادتنا كما نعتقد.

المشكلة أن كثيرًا مما نسميه «قرارات» ليس قرارات أصلًا.

إنه رد فعل يرتدي بدلة رسمية؛ فالإنسان عندما يكون غاضبًا، أو خائفًا، أو مجروحًا، أو حتى متحمسًا جدًا، يرى الأمور من داخل تلك الحالة. وما يبدو واضحًا ومستحيل التراجع عنه في ذروة الشعور، قد يبدو مختلفًا تمامًا عندما يهدأ.

وهذا لا يعني أن علينا ألّا نثق بأنفسنا؛ بل ربما يعني فقط ألّا نسلّم إدارة حياتنا إلى النسخة الأكثر غضبًا منا، ثم نستغرب في الصباح من ضعف إرادتنا؛ فالقرار الحقيقي، في رأيي، يحتاج إلى أكثر من لحظة قوية. يحتاج أولًا إلى سبب يبقى منطقيًا بعد أن يهدأ الشعور الذي صنعه.

وإذا قررت الابتعاد عن شخص لأنك غاضب منه الآن، فلا داعي لإعلان وفاته في حياتك في اللحظة نفسها، انتظر حتى يهدأ غضبك. إذا بقيت الأسباب نفسها، بعد أن عاد ضغط دمك إلى مستواه الطبيعي، فهنا يستحق القرار أن يؤخذ بجدية.

ويحتاج أيضًا إلى أن تعرف ماذا سيكلفك؛ فنحن أحيانًا نريد القرار، لكننا لا نريد أن ندفع ثمنه.

نريد إنهاء علاقة، لكننا لا نريد الاشتياق.

نريد ترك عمل لا نحبه، لكننا نريد أن يبقى الراتب وفيًا لنا بعد مغادرتنا.

نريد التوقف عن عادة سيئة، بشرط ألا نفتقدها ولو لخمس دقائق.

نريد حياة جديدة، مع نقل جميع محتويات الحياة القديمة إليها، إن أمكن.

باختصار نريد التغيير.. مع الاحتفاظ بحق الاسترجاع والاستبدال. وهذا، للأسف، ليس من ضمن الخدمات المتاحة؛ فالقرار الحقيقي ليس أن تختار النتيجة التي تعجبك فقط، بل أن تقبل أيضًا الجزء المزعج الذي يأتي معها. تنظر للمكسب والخسارة معًا، ثم تقول: "حسنًا، ما زلت أريده".

ويحتاج القرار، فوق ذلك كله، إلى خطة صغيرة تحميه من النسخة المستقبلية منك؛ لأن الاعتماد على قوة الإرادة وحدها فكرة رومانسية جدًا.

نسخة الغد منك ستكون مُتعبة، أو مشتاقة، أو جائعة، أو واقفة أمام لافتة كتب عليها «خصم 60%».

وأنا شخصيًا لا أثق بأي إنسان أمام خصم 60%.

لهذا أصبحت أقل اندفاعًا في إعلان «هذه آخر مرة».

لا لأنني فقدت ثقتي بقراراتي؛ بل لأنني أصبحت أعرف أن بعض القرارات تحتاج أن تقضي ليلة في رأسي قبل أن تحصل على ختم الموافقة، وأن نوبة الغضب لا تستحق أن تأخذ صلاحيات إدارية أكبر من حجمها.

أتركها حتى يهدأ غضبي، ويخف حماسي، وتتوقف كرامتي عن إلقاء الخطب الحماسية، وتنتهي الموسيقى التصويرية، وتعود الحياة إلى صوتها الطبيعي.

فإذا وجدتها في الصباح ما تزال منطقية، وأسبابها ما تزال موجودة، وأنا مستعدة لتحمل ثمنها، فعندها ربما تكون فعلًا آخر مرة.

وإن تراجعت عنها؟

لا بأس.

لن تكون آخر مرة أقول فيها: «هذه آخر مرة».

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z