حسين محمد حسن اللواتي
ما نراه اليوم من حراك متواصل حول ولاية مطرح، وما نشهده من مشروعات ومبادرات وأفكار تتقاطع حول حاضرها ومستقبلها، يؤكد أنَّ هذه الولاية العريقة تعيش مرحلة جديدة تستحق أن نتوقف عندها ونقرأها بعناية، ونربطها برؤية عُمان 2040 التي نريدها أن تكون حديث كل بيت، وأن نسهم جميعًا في تحقيق مستهدفاتها.
فما يحدث ليس مجرد استعادة لذاكرة مطرح، بل محاولة لصناعة مستقبلها من عراقة ماضيها، وحيوية حاضرها، وما تختزنه من فرص ومقومات.
ومن هنا يأتي السؤال: ماذا لو جمعنا هذه الخيوط المتعددة، وقرأناها بصورة مختلفة، ثم سألنا: إلى أين يمكن أن تقودنا إذا وضعناها في اتجاه واحد؟
أقول ذلك وأنا ابن هذه الولاية؛ وُلدت وترعرعت بين حاراتها وسوقها وبحرها وجبالها، وما زلت أرى مطرح بعين ابن المكان، لكنني أحاول من خلال سرد هذه الخيوط وربطها أن أنظر إليها أيضًا بعين المستقبل.
فمطرح ليست مدينة ينقصها التاريخ أو الهوية أو الحكايات، كما أنها لم تغب عن اهتمام الدولة والمجتمع والكُتّاب والمهتمين. ومن يتتبع ما كُتب وطُرح ونُفذ خلال هذه السنوات الأخيرة سيكتشف حجمًا لافتًا من الاهتمام بها، ورغبة واضحة في استثمار ما تحمله من قيمة تاريخية واقتصادية واجتماعية.
في عام 2021، على سبيل المثال، كان النقاش يدور حول تطوير حي الميناء وتجميل سوق مطرح وتأهيل الساحات والممرات العامة. وفي عام 2022، فاز مشروع «ميدان مطرح» بالمركز الأول في جائزة صاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم للتصميم المعماري، برؤية سعت إلى تعزيز قيمة المكان ومعالمه الفريدة. واستمرت بعد ذلك مشروعات وأفكار مرتبطة بتطوير السوق والبنية الأساسية والمرافق والخدمات.
ومنذ سنوات يكتب أبناء هذه الولاية العريقة ومحبوها عن السوق، وعودة السكان، والتجارة، والهوية، والمواقف، والحرف، وفرص الشباب ومستقبل المدينة. فقد كتب الأستاذ حيدر بن عبدالرضا اللواتي في عام 2021 عن سوق مطرح والحاجة إلى تعزيز حضور العُمانيين فيه وممارسة النشاط التجاري، وكتب الأستاذ أنور الخنجري لاحقًا عن خطط التنمية والتطوير وأهمية ألا تقتصر على الجانب التجميلي، وأن يظل الإنسان العُماني جزءًا أساسيًا من مستقبل المكان. كما طرح الأستاذ منصور بن حبيب الرحبي في عام 2025 أفكارًا مرتبطة بالسكن وعودة الأهالي وتعمين السوق والحرف والمواقف والحوار بين المؤسسات والسكان.
وهنا تبدأ الصورة في الوضوح: الأفكار موجودة، والمشروعات تتشكل، والاهتمام واضح وجلي، والتاريخ حاضر.
وربما تكمن الفرصة اليوم في ألا ننظر إلى كل عنصر بصورة منفردة، بل أن نقرأ هذه الخيوط بوصفها أجزاءً من قصة واحدة. فالسوق والكورنيش والميناء والبيوت القديمة والتاريخ العريق ليست كل منها مطرح بمفردها؛ انما هي القيمة التي صنعتها هذه العناصر مجتمعة.
هي الإنسان والمكان، البحر والجبل، التجارة والثقافة، السوق والحارة، التاجر والبحار، المقيم والزائر. وهي قصة مجتمع استطاع عبر أجيال أن يحوّل موقعًا جغرافيًا شديد الخصوصية إلى مساحة للتجارة والتواصل والتعايش وصناعة الفرص.
وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الذي يشغلني: هل يكفي أن نطوّر مطرح، أم أن الفرصة الأكبر تكمن في إعادة اكتشاف قيمتها والبناء عليها؟
فإعادة اكتشاف قيمة المدينة تعني أن نسأل عن الإنسان الذي سيعيش فيها، والشاب الذي سيعمل ويستثمر فيها، والتاجر الذي سيعود إليها، والزائر الذي سيقضي وقتًا أطول فيها، والمبنى القديم الذي يمكن أن يستعيد وظيفة جديدة، والسوق الذي يمكن أن يبقى اقتصادًا حيًا إلى جانب مكانته السياحية والتاريخية.
وهذا التفكير لا يأتي بمعزل عما يحدث اليوم؛ ففي عامنا هذا 2026، أُطلق المخطط الهيكلي لمسقط الكبرى، الممتد من مطرح شرقًا إلى بركاء غربًا، واضعًا ضمن توجهاته التكامل بين التنمية العمرانية والاقتصاد والاستثمار والنقل وجودة الحياة، مع المحافظة على الموروث والبيئة والخصوصية المكانية.
فماذا لو كانت هذه هي اللحظة المناسبة لإعادة قراءة مطرح ضمن هذا الحراك الأكبر؟
ليس بمشروع ينافس المشروعات القائمة، ولا برؤية تتجاهل ما سبقها، بل بمحاولة تجمع وتربط وتبني تجمع ما كُتب خلال السنوات الماضية، وما طرحه أبناء مطرح ومحبوها، وما تعمل عليه المؤسسات الحكومية، وما يراه التجار والمستثمرون، وما يطمح إليه الشباب، ثم تربط ذلك بما يمكن أن نتعلمه من مدن تاريخية حول العالم حافظت على روحها وأعادت في الوقت نفسه تعريف أدوارها الاقتصادية والاجتماعية.
وهذا ما سأحاول القيام به خلال الكتابات القادمة، وهنا أستميح الأساتذة الكُتّاب الذين ذكرتهم وغيرهم أن أستفيد مما طرحوه من أفكار وخيوط، لنجمعها ونقرأها معًا نحو «القصة المتكاملة». لن نكتب تاريخ ولاية مطرح من جديد، ولن ندّعي أن الحل موجود في مقال أو لدى شخص واحد، بل سنحاول قراءة هذه الخيوط من خلال خمسة أسئلة بسيطة: ماذا نملك؟ ماذا تغير؟ ماذا يحدث الآن؟ ماذا يمكن أن نتعلم؟ وماذا نفعل... وما القادم؟
ومن هذه الأسئلة قد تتشكل في نهاية الرحلة محاولة لورقة عمل أوسع؛ ليست استراتيجية رسمية ولا بديلًا عن عمل المؤسسات، وإنما إطار قابل للنقاش والبناء عليه، يجمع الأفكار والحراك والمبادرات حول سؤال أكبر: ما القيمة الجديدة التي تستطيع مطرح أن تقدمها لعُمان في العقود القادمة؟
قد تكون الإجابة في السوق، أو في عودة السكان، أو في الشباب، أو في البيوت القديمة، أو في اقتصاد جديد يجمع التراث وريادة الأعمال والثقافة والسياحة. وقد تكون في كل ذلك معًا. لكن قبل أن نتحدث عن المستقبل، سنعود خطوة إلى الوراء؛ لا لنستغرق في الماضي، وإنما لنفهم عناصر القوة التي صنعت ولاية مطرح ونستكشف كيف يمكن أن تصبح جزءًا من مستقبلها.
ومن هنا تبدأ الرحلة...
سؤالنا القادم: ما المقومات التي صنعت لولاية مطرح هذه الشخصية المتفردة، وكيف يمكن أن نستثمرها في صناعة فصلها القادم؟!
