كم مرة يعمل الريال؟

 

 

علي بن محمد بن جمعة اللواتي

حين نتحدث عن قوة الاقتصاد، نميل إلى قياس حجم الاستثمار، والناتج المحلي، والصادرات، وعدد المشاريع الجديدة، والوظائف التي خلقتها.

لكن هناك سؤالًا آخر قد يكون أكثر كشفًا لجودة النمو: ماذا يحدث للريال بعد أن يُنفق؟

لا أقصد هنا «سرعة دوران النقود» (Velocity of Money) بمعناها النقدي المعروف، وإنما قدرة الاستثمار على توليد سلاسل متتابعة من النشاط الاقتصادي قبل أن تتسرب قيمته إلى الخارج أو تنتهي آثاره عند حدود المشروع نفسه؛ فالاستثمارات ليست متساوية حتى عندما تتساوى قيمتها.

مليار ريال يُنفق على مشروع يعتمد بدرجة كبيرة على معدات ومواد وخدمات مستوردة قد ينتج أصلًا ممتازًا ويحقق عائدًا ماليًا جيدًا. لكنَّ مليارًا آخر قد يبني الأصل نفسه، وفي الوقت ذاته يخلق موردين، ووظائف ذات إنتاجية أعلى، وخدمات مساندة، وتمويلًا، وشركات جديدة، ثم يدفع بعض هذه الشركات إلى الاستثمار والتوسع والتصدير.

المليار هو نفسه، لكن الاقتصاد الذي تركه خلفه مختلف تمامًا.

هذه ليست فكرة جديدة في الاقتصاد. فهي تلتقي مع مفهوم المضاعف الاقتصادي، والتسرب (Leakage)، ومع ما وصفه ألبرت هيرشمان بالروابط الخلفية والأمامية (Backward and Forward Linkages)، ومع سياسات القيمة المحلية المضافة الحديثة.

لكن السؤال الذي يستحق اهتمامًا أكبر اليوم يتجاوز نسبة المشتريات المحلية أو عدد الوظائف المباشرة: هل الاستثمار خلق قدرة اقتصادية لم تكن موجودة قبله؟

ويمكن رؤية ذلك بوضوح في التطوير العقاري والسياحي؛ إذ قد تنجح وجهة سياحية في بناء فنادق ومنتجعات ممتازة، واستقطاب علامات عالمية، وتحقيق نسب إشغال جيدة، وتكون ناجحة تجاريًا وماليًا بكل المقاييس. لكن أثرها الاقتصادي الأوسع يظل محدودًا إذا بقي معظم النشاط محصورًا داخل حدود المشروع.

وفي المقابل، قد تتحول الوجهة نفسها إلى منصة اقتصادية عندما تبدأ حولها مطاعم ومقاهٍ، وشركات نقل وتنظيم فعاليات، ومزودو تجارب سياحية، وحرفيون، وموردون، ومؤسسات تدريب وضيافة، وشركات تقنية وتسويق وخدمات مالية.

هنا لا يعود السؤال: كم غرفة فندقية بنينا؟ وكم مترًا مربعًا طورنا؟ وإنما كم نشاطًا اقتصاديًا أصبح ممكنًا بسبب ما بنيناه؟

وهذا فرق جوهري بين بناء وجهة سياحية وبناء اقتصاد سياحي.

الأولى يمكن إنجازها برأس المال. أما الثانية فتحتاج إلى منظومة تسمح لعشرات وربما مئات الأنشطة بأن تنمو حول الاستثمار الأصلي.

ولا يعني ذلك أن الهدف هو منع الاستيراد أو تقليل دور الشركات والخبرات الأجنبية. فقد تكون العلامة العالمية، والإدارة الأجنبية، والتقنية المستوردة، ورأس المال الخارجي، عناصر ضرورية لرفع الجودة ونقل المعرفة والوصول إلى الأسواق العالمية؛ فالاقتصاد المفتوح لا يصبح أقوى بمجرد إبقاء أكبر قدر ممكن من المال داخله.

والسؤال الأذكى هو: ماذا يترك المال خلفه عندما يغادر؟ معرفة؟ مهارة؟ موردًا محليًا قادرًا على المنافسة؟ شركة تستطيع بيع خدماتها لمشاريع أخرى؟ سوقًا جديدًا؟ أم استثمارًا ثانيًا أصبح ممكنًا بفضل الاستثمار الأول؟

هنا ننتقل من مفهوم القيمة المحلية إلى مفهوم أعمق: القدرة الاقتصادية المتراكمة. وهذه النقطة مهمة جدًا عند النظر إلى المشاريع الكبرى. فقد نبني مطارًا ممتازًا، لكن قيمته الاقتصادية الحقيقية لا تتوقف عند عدد المسافرين. تظهر عندما يجعل السياحة والخدمات اللوجستية والتجارة والاستثمار أكثر قابلية للنمو.

وقد نبني ميناءً ضخمًا، لكن نجاحه الأعمق يبدأ عندما تظهر حوله صناعات تحويلية ومستودعات وشركات نقل وخدمات بحرية وتجارة وإعادة تصدير.

وقد نطور منطقة عقارية حديثة، لكن أثرها الأكبر لا يكون في الوحدات التي بيعت فقط، وإنما عندما تبدأ الشركات والمتاجر والخدمات والسكان ورؤوس الأموال في التجمع حولها، وترتفع إنتاجية الأرض المحيطة بها، ويتشكل مركز اقتصادي لم يكن موجودًا من قبل.

وهنا تقع إحدى المغالطات الشائعة في التنمية: الخلط بين بناء الأصل الاقتصادي وبناء الاقتصاد حول الأصل. الدولة تستطيع أن تبني طريقًا ومطارًا وميناءً ومدينة ومنطقة اقتصادية. لكنها لا تستطيع أن تفترض أن الاقتصاد سيظهر حولها تلقائيًا.

بين الأصل والنشاط الاقتصادي توجد منظومة كاملة: تشريعات، وتمويل، ومهارات، وموردون، ورواد أعمال، وسرعة تراخيص، ومعلومات، وأسواق، وربط بين المستثمر الكبير والمؤسسة الصغيرة، وبين المشروع المحلي والسوق العالمي.

ولهذا ربما ينبغي ألا تنتهي دراسة المشروع الكبير عند السؤال التقليدي: هل المشروع نفسه مجدٍ اقتصاديًا وماليًا؟ بل أن تضيف إليه سؤالًا أصعب: ما الاقتصاد الذي سيصبح ممكنًا حول هذا المشروع؟

المستثمر، بطبيعة الحال، ينظر إلى العائد الداخلي للمشروع (IRR). لكن صانع السياسة الاقتصادية يحتاج إلى عدسة أوسع: ما العائد الاقتصادي للمنظومة التي سيطلقها هذا الاستثمار؟ فالمشروع العظيم ليس بالضرورة المشروع الذي أنفقنا عليه أكثر، بل المشروع الذي جعل الآخرين يرغبون في الاستثمار أكثر. والميناء الأكثر تأثيرًا ليس بالضرورة الأكبر، بل الذي يجعل إنشاء مئات الأنشطة حوله قرارًا اقتصاديًا منطقيًا. والوجهة السياحية الأكثر نجاحًا ليست فقط التي تمتلئ فنادقها، بل التي تجعل المجتمع المحيط بها جزءًا من اقتصاد السياحة. والمدينة الناجحة ليست التي تستمر الحكومة في بنائها إلى ما لا نهاية، بل التي تصل إلى مرحلة يصبح فيها القطاع الخاص والأفراد قادرين على مواصلة بنائها.

وهنا ربما يكون أحد أهم اختبارات جودة الاستثمار: ما الذي أصبح ممكنًا اقتصاديًا بعد هذا الاستثمار ولم يكن ممكنًا قبله؟ عندها يصبح سؤال «كم مرة يعمل الريال؟» استعارة لسؤال أكبر؛ فالهدف ليس أن نمنع الريال من مغادرة الاقتصاد، بل أن نتأكد أنه ترك شيئًا خلفه قبل أن يغادر: معرفة، أو مهارة، أو شركة، أو سلسلة توريد، أو سوقًا جديدًا، أو قدرة إنتاجية، أو استثمارًا آخر لم يكن ممكنًا من قبل؛ لأن الثروة لا تُصنع فقط بحجم الأموال التي تدخل الاقتصاد؛ بل بحجم الاقتصاد الذي تستطيع هذه الأموال أن تتركه خلفها.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z